2
ولا البخار ولا الغلط، ولا العفن ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق وتثقيف اللغة وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم والاستدلال بالآثار وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب. بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية، وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر.
الغناء
إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة؛ ومنها الهندسة وما اتصل بها من المساحة والوزن والتقدير وما أشبه ذلك؛ ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان وعلاج الأسقام وما يتشعب من ذلك؛ ومنها اللحون ومعرفة أجزائها وقسمها ومقاطعها ومخارجها وأوزانها حتى تستوي على الإيقاع وتدخل في الوتر.
ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس، وعلى ما يسمعون من الفارسية والهندية، إلى أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت العرب منه، وجمعه وألفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العروض. فلما أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من خلفه، واستمد من عني به. وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله؛ منها معرفته بالغناء وكثرة استماعه إياه، وعلمه بحسنه من قبيحه وصحيحه من سقيمه، ومنها حذقه بالضرب والإيقاع وعلمه بوزنهما. وألف في ذلك كتبا معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل وحذق راجح ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل واضحة وشواهد عادلة، ولم نر أحدا وجد سبيلا إلى الطعن عليه والعيب له. وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم والاتباع لمن سبقهم.
ثم قال في فصل آخر: وعلى أن الغناء من الوجه الحسن والبدن الحسن أحسن، والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة. وكم بين أن تفدي إذا شاع فيك الطرب مملوكك وبين أن تفدي أمتك، وكم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه. وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالا ينوحون فصاروا دخلاء على النوائح. وبعد، فأيما أحسن وأملح وأشهى وأغنج؟ أن يغنيك فحل ملتف اللحية كث العارضين، أو شيخ منخلع الأسنان مغضن الوجه، ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد
فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
أم أن تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ياقوتة، أو من فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن:
من كف جارية كان بنانها
من فضة قد طوقت عنابا
وكان يمناها إذا نطقت به
ألقت على يدها الشمال حسابا
النبيذ
هو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومربع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام. وكيف وقد جمع أبهة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البها، وشرف الخير، وعز المجاهدة، ولذة الاختلاس، وحلاوة الزبيب.
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره؛ لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك؛ منحك صدق الحس وفراغ النفس، وجعلك رخي البال واسع الذرع قليل الشواغل قرير العين واسع الصدر حسن الظن، ثم سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك الظن وخواطر الفهم، وكفاك مئونة الحراسة وألم الشفقة وخوف الحدثان وذل الطمع وكد الطلب، وكل ما اعترض على السرور وأفسد اللذة وقاسم الشهوة وأخل بالنعمة. وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر. ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة وكد المروءة، وصار يومه جمالا لأيام الفكرة وتسهيلا لمعاودة الروية؛ لكان في ذلك ما يوجب الشكر ويطنب الذكر، مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم وأقل الثمن. ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان، ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب في الدجن، ويلذ في الصيف كما يلذ في الشتاء، ويجري مع كل حال، وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال، ويدفع مضرة الخمار كما يجلب منفعة السرور. وإن كنت جذلا كان بارا بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك. يسر النفوس ويحبب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغبها في التوسع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر، ويملؤها عزا، ويعدها خيرا، ويحسن المسارة، ويصير به النبت خصبا والجناب مريعا ومأهولا معشبا.