تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سياسة الحزم

من لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء، وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرب في تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه. وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع، وبعض العفو إغراء، كما أن بعض المنع إعطاء. ولا خير فيمن كان خيره محضا، وشر منه من كان شره صرفا، ولكن اخلط الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإن الناس لا يهابون ولا يصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ومن أخاف ولم يقمع وعرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه، فخير الخير ما كان ممزوجا وشر الشر ما كان صرفا.

ولو كان الناس يصلحون على الخير وحده لكان الله - عز وجل - أولى بذلك الحكم، وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب دليل على أن الصواب فيه دون غيره. وإذا كان الناس إنما يصطلحون على الشدة واللين، وعلى العفو والانتقام، وعلى البذل والمنع، وعلى الخير والشر، عاد ذلك الشر خيرا، وذلك المنع إعطاء، وذلك المكروه محبوبا، وإنما الشأن في العواقب وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدوم ومن الانقطاع أبعد.

ألفاظ الزنادقة

الزنادقة أصحاب لفظ في كتبهم وأصحاب تهويل؛ لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيرا. ولكل قوم ألفاظ حظيت عندهم، وكذلك كل بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور وصاحب كلام موزون، فلا بد من أن يكون قد لهج وألف ألفاظا بأعيانها ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم عزيز المعاني كثير اللفظ، فصار حظ الزنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، واتصلت بطبائعهم، وجرت على ألسنتهم، التناكح والنتائج والمزاج والنور والظلمة والدفاع والبقاع والساتر والغامر والمنحل والبطلان والوجدان والأثير والصداق وعمود الصبح، وأشكالا من الكلام نصا، وإن كان غريبا من فوضى، مهجورا عند أهل ملتنا ودعوتنا.

الصوت

أمر الصوت عجيب، وتصرفه في الوجوه عجب، فمن ذلك أن منه ما يقتل كصوت الصاعقة؛ ومنه ما يسر النفوس حتى يفرط عليها السرور فتقلق حتى ترقص، وحتى ربما رمى الرجل بنفسه من حالق، وذلك مثل هذه الأغاني المطربة؛ ومن ذلك ما يكمد؛ ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية والقراءات الملحنة. وليس يعتريهم من قبل المعاني لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون، وقد بكا ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدق به؟ قال: إنما أنكاني الشجا.

وبالأصوات ينومون الصبيان والأطفال، والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطا وتزيد في مشيها، ويجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له، وذلك أنهم يضربون بعصي معهم ويعطعطون، فتقبل أجناس السمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات حتى تدخل في الحظيرة. ويضرب بالطساس للطير وتصاد بها. ويضرب بالطساس للأسد وقد أقبلت فتروعها تلك الأصوات. وقال صاحب المنطق: الأيايل تصاد بالصفير والغناء، والصفير تسقى به الدواب، وتنفر به الطير عن البذور.

العرب

لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع لخوفهم صغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث البلادة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق،

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)ص ٢٠