يرى المثل الأعلى في البلاغة شعر العرب ويفضله على بلاغة سائر الأمم؛ لأنه جرى على ألسنتهم من غير تعمل ولا تكلف. أما كلام النبي فهو جوامع الكلم، فيه عبقة من الوحي الإلهي، محفوف بالعصمة والتأييد، وهو الحكمة وفصل الخطاب، وسيمر بك شواهد على كل ذلك من كلام الجاحظ. •••
كان الجاحظ من المعجبين بابن المقفع، وهو الذي نوه بذكره ودل على فضله، ولكنه لم يشأ أن يسلك طريقته في الأدب؛ لأن الجاحظ رأى أفق الأدب أوسع من أن يقصر على حكم ومواعظ تستقيم في النظر ويلتوي أكثرها في العمل، فمد بصره إلى أوسع من ذلك، ورأى أن الأدب يتناول الحماقة كما يتناول الحكمة؛ لأنه مرآة الحياة نعيمها وكدها، هزلها وجدها، وحكمتها وسخافتها، إلى آخر ما تشتمل عليه الحياة من المتناقضات، فكتب ما كتب من شتى المواضيع ومختلف الأبحاث.
وكذلك فإنه لم ير حاجة لاختراع الأشخاص الخيالية واصطناع الأوضاع القصصية لتقريب المعاني إلى الأفهام وإساغتها في الأذواق، شأن أصحاب المقامات من بعده، بل غشاها من ساحر بيانه بما جعلها فتنة القلوب والأسماع. والغريب أن أصحاب المقامات في قصصهم قصروا عن الجاحظ كثيرا في الترجمة عن الطبائع وتصوير الأخلاق مع أنهم نصبوا أنفسهم لهذا الغرض. •••
لم يبخس الجاحظ بقية الأمم حقها في العلم، ولكنه كان يعتقد أن العربية إذ ذاك أغنى اللغات علما وأدبا، تفي بحاجة كل طالب في كل فن. قال: «قل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريبا منه في أشعار العرب وفي معرفة أهل لغتنا وملتنا.»
ويزيد على ذلك أنه كان يرى أن الحذق في غير العربية ينتقص فصاحة العربية ويتخون محاسنها؛ لأن النبوغ في لغتين متعذر. قال: «ومتى وجدناه - الترجمان - قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها، فكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعتين فيه كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة.»
ومن هنا نعلم أنه لم يكن يرى روعة البلاغة في الآداب المترجمة، وذلك رأي جمهرة العرب الذين أقبلوا على ترجمة أنواع العلوم ورضوا بالأخذ عن غيرهم إلا في الشريعة والأدب؛ فإنهم كانوا مؤمنين بأن شريعتهم أكمل الشرائع وأدبهم أرفع الآداب ولغتهم أبلغ اللغات.
هذا فصل إذا أضيف إلى ما تقدمه من الفصول وأضيف إليه أمثلة وشواهد من كلام الجاحظ - وستراها بعد أسطر - أمكن أن يعطيك فكرة عامة، ويمثل لك صورة مجملة عن الجاحظ وسيرته وأدبه وأثره.
| نصوص من كلام الجاحظ
اللسان
هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز يبرد الأحزان، ومعتذر يرفع الضغينة، ومله يونق الأسماع، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الألفة، ومؤنس يذهب الوحشة.
العقل
ليس على ظهرها إنسان إلا معجب بعقله، لا يسره أن له بجميع ما له ما لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمدا ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء، فهو يرى أنه محسود في كل شيء.
الكلام البليغ
ومتى شاكل - أبقاك الله - اللفظ معناه، وكان لذلك الحال وفقا، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف؛ كان قمنا بحسن الموقع، وحقيقا بانتفاع المستمع، وجديرا أن يمنع صاحبه من تأول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العائبين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور به مأهولة.
ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت له الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض. ومن أعاره من معرفته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا، خبت إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع عن كد التكلف، وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم.