تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يركن الجاحظ إلى الخيال، ولا يهيم في الأحلام الشعرية؛ ولذلك ندرت في كتابته الاستعارة والكناية والتشبيه والمجاز؛ فهو غني بصادق بيانه عن الاستعانة بعكاكيز البلاغة، ولكن مع ذلك غير ملهم في المواضيع الشعرية، أعطي جميع مواهب الكاتب الخلقية والكسبية، وأخطأه من مواهب الشاعر الخيال والأوهام والأحلام. وسرعة الملاحظة وحدة الفطنة في الكاتب - وله منهما أوفر نصيب - تقومان مقام الخيال والإلهام عند الشاعر.

فسح الجاحظ للنثر العربي مجالا واسعا، فمهد سبل التأليف في كثير من العلوم والفنون، ومزج خشونة العلم بنعومة الأدب، وافتن في التهكم والدعابة.

سخر الجاحظ مبني على خفة روحه أولا، واطلاعه على العقائد والمذاهب ثانيا، ودرسه أخلاق الناس ثالثا. يطلب النكتة للأحماض، ويرسلها هزؤا بخرافات بعض الناس وعاداتهم ومواضعاتهم ومصطلحاتهم.

ما أظن أن أديبا من العرب أدرك الغاية من الأدب كما أدركها الجاحظ؛ فالأدب الذي لا يمثل لك عصر صاحبه هو ناقص، وأي أدب أدق تمثيلا وأحسن تصويرا لزمان صاحبه من أدب الجاحظ؟!

لو توفر أديب عصري على دراسة البقية الباقية من كتب الجاحظ لأمكنه أن يستخلص منها تاريخا مدنيا لذلك العصر المبارك، فضلا عن القصص والروايات التي تمثل حياة القوم إذ ذلك في أخلاقهم ومجالسهم وملابسهم ومذاهبهم الدينية والسياسية، وجدهم وهزلهم، وما إلى ذلك من وجوه حياتهم؛ وما ذلك إلا لأن الجاحظ عرف زمانه وأهله فمثلهما أصدق تمثيل، وتلك من أكبر مزاياه التي تفرد بها. •••

كان النقد في أدبنا لا يعدو صحة اللفظ وحسن الصياغة، وعلى هذه القاعدة انتقدت كتب الجاحظ وأعطي الرجل حقه من الإكبار، وسكت عما سوى ذلك. على أنني أرى أن الجاحظ في مواضيعه التي عالجها أعظم منه في سمو أسلوبه وعذوبة لغته، فإنه حاول أن يكتب عن كل شيء رآه أو وعاه أو سمع به، وكان موفقا فيما حاول.

ليس في مواضيع الجاحظ عناصر خيالية، بل هي حقائق ملموسة يعمد إليها ببصيرة نافذة وفكر متوقد وفهم دقيق، فيفصح عنها بأفصح لغة وأروع أسلوب، فيجعلها محببة إلى القارئ، وذلك هو الأدب الحق يصدقك ويسرك.

فطر الجاحظ على دقة الملاحظة، وهي تستدعي التقصي والإسهاب والإحاطة وحسن الوصف، ورأى أن كل ما في هذه الحياة يستحق العناية والبحث - جدا أو هزلا - فتناول مواضيع متناقضة، وطرق أبوابا لا يطرق عادة مثلها مثله، وعالج أمورا قد تبدو لأول وهلة تافهة، فوفى كل بحث حقه وزاد وتطول.

نعم، إن من بعض آرائه العلمية ما لا يقره العلم الحديث وأكثر ما تجد ذلك في كتاب الحيوان، ولكن كم رأيا في العلم بقي مسلما به منذ أحد عشر قرنا؟ على أن كتاب الحيوان كتاب أدبي أكثر منه علميا. •••

جرت العادة في النقد العربي ألا تعالج جهة الابتكار في الأديب إلا إذا كان شاعرا؛ وذلك لسهولة الاهتداء إلى المعنى المبتكر في الشعر العربي خاصة؛ إذ إن كل بيت منه وحدة مستقلة ذات معنى قائم بنفسه؛ فالعين نحوه أسرع والفكر إليه أهدى، وليس الشأن كذلك في النثر؛ فقد يكون الابتكار النثري في فكرة، وقد يكون في اختيار موضوع كما يكون في تبويبه أو جمعه ، فأغفلوا بحث الابتكار في الكتاب، وذلك من نواقص نقدنا، والجاحظ مبتكر في الإنشاء من حيث الأسلوب والمواضيع؛ فكل كتاب من كتبه حدث مبتكر بل فتح مبين في أدبنا، ورسائله في ممتع البحوث معان أبكار ما افترعها أحد قبله.

لم يكن الجاحظ من أولئك العلماء الذين تنازلوا عن حقهم في التدبر والتفكير، فنظروا إلى المسائل من جهة واحدة، بل كان أبعد نظرا وأرجح رأيا، يرى للقضية الواحدة عدة وجوه، فيعالجها جميعها بروية وإمعان من غير أن يحرج بها صدره أو تضيق بها نفسه.

عاش الجاحظ في وسط نجم فيه قرن الشعوبية والكيد للعرب في دينهم وسلطانهم وتاريخهم، فخاض هذه الغمرة وعالج أحداثها بما عرف عنه من الاستقصاء والتعمق، ولكن هواه كان مع العرب يرى تفوقهم بالكرم والمروءة والأنفة والحمية ومنع الجار وإباء الضيم، لا سيما في الشعر والخطابة.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول) · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)ص ١٥