تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقل عن اللغة السنسكريتية إلى لغة التيبت، كما أنه جلب إلى بلاد فارس في القرن السادس للميلاد، ونقله عن السنسكريتية إلى الفهلوية - أي الفارسية القديمة - برزويه بن أزهر بأمر كسرى أنوشروان، وزيد في الترجمة الفهلوية ثلاثة أبواب، هي: مقدمة برزويه، وباب بعثة برزويه، وباب ملك الجرذان.

وعن الفهلوية كانت الترجمة السريانية الأولى حوالي سنة 570 للميلاد، وعن الفهلوية أيضا نقله ابن المقفع وزاد فيه ستة أبواب، هي: مقدمة الكتاب على لسان بهنود بن سحوان المعروف بعلي بن الشاه الفارسي، وباب عرض الكتاب لابن المقفع، وباب الفحص عن أمر دمنة، وباب الناسك والضيف، وباب مالك الحزين والبطة، وباب الحمامة والثعلب ومالك الحزين.

ثم فقد الأصل الهندي والفهلوي، ولم يبق من التراجم الأولى غير الترجمة العربية لابن المقفع، وعنها نقلته الأمم إلى لغاتهم، وهذه التراجم التي ترجع كلها إلى ترجمة ابن المقفع: السريانية - مرة ثانية - واليونانية والفارسية والعبرية واللاتينية والإسبانية والطليانية والروسية والتركية والألمانية والإنكليزية والدنماركية والهولندية والإفرنسية.

وقد أقبل عليه العرب، فنظمه بعض الشعراء شعرا، أولهم أبو سهل الفضل بن نوبخت الفارسي من خدام المنصور وابنه المهدي، وأبان بن عبد الحميد اللاحقي نظمه بإشارة البرامكة وأوله:

هذا كتاب أدب ومحنة

وهو الذي يدعى كليلة ودمنة

فيه احتيالات وفيه رشد

وهو كتاب وضعته الهند

ونظمه علي بن داود كاتب زبيدة زوج الرشيد، ونظمه بشر بن المعتمد، وكل هذه المنظومات فقدت.

ونظمه أيضا ابن الهبارية المتوفى سنة 504، وسماه «نتائج الفطنة في نظم كليلة ودمنة» وهو مطبوع.

ثم نظمه ابن مماتي المصري المتوفى سنة 606، كما نظم أقساما منه عبد المؤمن بن الحسن من أهل القرن السابع، وكذلك نظمه جلال الدين النقاش من أهل القرن التاسع، وكل ذلك غير مطبوع.

ونقل كتاب كليلة ودمنة أيضا عبد الله بن هلال الأهوازي، نقله ليحيى بن خالد بن برمك في خلافة المهدي، وعارضه سهل بن هارون - أحد كتاب المأمون - بكتاب اسمه ثعلة وعفرة وكلاهما غير موجود.

ومن هنا يظهر لك مبلغ خطر هذا الكتاب والضجة التي قامت حوله والأثر الذي أثره في الأدب. (2)

كتاب الأدب الصغير: في الأدب والحكمة والمواعظ، أول من عثر عليه الشيخ طاهر الجزائري، وجده ضمن مجموعة في بعلبك فنشره في مجلة المقتبس، ثم نشر مع رسائل البلغاء، ثم طبع على حدة بتصحيح أحمد زكي باشا، والكتب لطيف الحجم رائع الأسلوب واضح المعاني، وليس كل ما فيه من الحكم من نتاج ابن المقفع؛ لأنه يقول فيه: «وقد صنعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وصقالها، وتجلية أبصارها وإحياء للتفكير ... إلخ.» ولكن له الفضل في سبكها وصوغها وإبرازها بذلك المظهر الفتان. (3)

كتاب الأدب الكبير: في الأخلاق والنصائح والآداب والحكم، ويمكن تقسيمه من حيث الموضوع إلى قسمين: الأول في السلطان والثاني في الصديق، وهو شبيه بالأدب الصغير في غايته، ولكن بعض فصوله أطول، وقد طبع بعنوان: «الدرة اليتيمة»، ويغلب على الظن أنه غيرها، ولغة ابن المقفع في الأدبين أجزل منها في كليلة ودمنة. (4)

كتاب الدرة اليتيمة: قال الأصمعي: صنف ابن المقفع كثيرا من المصنفات الحسان، منها الدرة اليتيمة التي لم يصنف في فنها مثلها، وقد ضرب أبو تمام الطائي المثل في بلاغتها بقوله للحسن بن وهب:

ولقد شهدتك والكلام لآلئ

تؤم فبكر في الكلام وثيب

فكأن قسا في عكاظ يخطب

وكأن ليلى الأخيلية تندب

وكثير عزة يوم بين ينسب

وابن المقفع في اليتيمة يسهب

وقد زعموا أنه عارض بها القرآن، ولكن الباقلاني يقول: إن كتاب اليتيمة منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة، والدرة اليتيمة لا تزال مكنونة لا يعرف محلها. (5)

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ١٥