تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابن المقفع يحب الشجاعة والكرم، ويكره الجبن والحرص، قال: «الجبن مقتلة والحرص محرمة، فانظر فيما رأيت وسمعت، من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا؟ وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بالعطية أم من يطلب إليك بالشره والحرص؟»

وهو يبغض الحسد، ويراه من أكبر النقم على صاحبه، حتى يرثي لمن ابتلي به، قال: «أقل ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذابا ليس بمدرك به حظا ولا غائظ به عدوا، فإنا لم نر ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف ومحالفة كآبة وشدة تحرق، ولا يبرح زاريا على نعمة الله، ولا يجد لها مزالا، ويكدر على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضاه، ومتسخطا لما لن ينال فوقه، فهو منغص المعيشة دائم السخط محروم الطلبة، لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشرا للسرور منتفعا به ممهلا فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع وانتقاص.»

وكذلك فإنه ينهى عن الكذب ولو بالهزل، قال: «لا تهاونن بإرسال الكذبة في الهزل، فإنها تسرع في إبطال الحق.»

والبخل عنده من أسوأ الأخلاق، قال: «الحرص والحسد بكرا الذنوب وأصل المهالك، أما الحسد فأهلك إبليس، وأما الحرص فأخرج آدم من الجنة.»

وحب المدح والتقريظ معدود عنده من ضعف الرجل، قال: «إياك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثلم يقتحمون عليك منها وبابا يفتتحونك منه وغيبة يغتابونك بها ويضحكون منك لها، واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده، فإن الراد له ممدوح والقابل له معيب.»

والثناء والإكرام لسلطان أو مال جديران بالرد والامتهان، قال: «إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لدين أو أدب.»

وهو ينفر من الدين ويراه عنوان الذل، قال: «الدين رق، فانظر عند من تضع نفسك.»

أما رأيه في النساء فمن أسوأ الآراء، قال: «إياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن، فإن شدة الحجاب خير لك من الارتياب، وليس خروجهن بأشد من دخول من لا تثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفن عليك فافعل، ولا تملكن امرأة من الأمر ما جاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، وإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تعد بكرامتها نفسها ولا تعطها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتملهن، واستبق من نفسك بقية، فإن إمساكك عنهن وهن يردنك باقتدار خير من أن يهجمن عليك على انكسار، وإياك والتغاير في غير موضع غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم.»

وفي رأيه أن اللذة في الحياة أخت التدبير والتقوى إذا كانت حلالا، قال: «على العاقل ألا يكون راغبا إلا في إحدى ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم.»

وقال: «لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجد من لذة دنياه، وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها.»

وهناك أمور أخرى تتفرع عن هذه الأصول، تعمل كلها على تهذيب الأخلاق ورياضة النفس على المكارم، ستطلع على كثير منها في الفصل الذي سيعقد للمختار من كلامه.

| رميه بالزندقة

ما من أحد ترجم لابن المقفع أو أشار إليه إلا روى أنه كان يرمى بالزندقة، حتى إن بعض مترجميه كعبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب عرفه بالزنديق، وابن خلكان ذكره بمناسبة زندقة الحلاج، وقد زعم الناقلون أنه كان منافقا في إسلامه، لم يسلم إلا ابتغاء عرض الدنيا، وأنه كان يضمر المجوسية، والتمسوا للمنصور وسفيان بن معاوية عذرا في قتله؛ لأنه أفسد على الناس دينهم، وحجتهم في ذلك ما روي عنه من أنه مر ببيت نار المجوس بعد أن أسلم، فتمثل بقول الأحوص:

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ١٣