هذا وفي انصرافه إلى المواضيع الأخلاقية في أكثر ما ألف وترجم وحثه على الوفاء والصدق والمروءة والإيثار والشجاعة والتقوى. وترك الكذب والحسد. وتقبيح الجبن والبخل؛ دليل على كرم أخلاقه وشرف نفسه، ولقد رفع من قدر الكتابة بمقدار ما غض الشعراء في زمانه من قدر الشعر حين أسرفوا في المدح والقدح، فابن المقفع يمثل الأديب الشريف.
| حكمته وآراؤه
جمع ابن المقفع بين عقل الحكيم وتفكيره وطبع الأديب وذوقه، فليست حكمته حقائق عارية، وليس أدبه من هواجس النفس ونزغات الأهواء، وإذا حاولنا عزل حكمته عن عاطفته وجدناها حكمة مشرقية، وأعني بذلك أنها غير مادية، بل هي في كثير من نواحيها روحية مبنية على الرحمة وحب الخير وبث الفضيلة ومساعدة الناس، فالحقيقة عنده مرغوب فيها ما نفعت أو ما كان نفعها أكثر من ضررها، فإذا كان تمحيصها يؤدي إلى تعاسة أو بؤس فالأفضل أن يغفل أمرها أو يحول ضررها إلى منفعة، وهذا النوع من حكمة المتفائلين أقرب إلى علم تهذيب الأخلاق منه إلى الفلسفة الخالصة.
ولكنه مع ذلك لا يقنع بهذا القدر الحكيم من حب الخير، فبين جنبيه نفس أديب تأبى عليه الرضا بذلك المقدار، وتكلفه المبالغة والغلو، فيضيف إلى حكمته الإيثار والمروءة والشجاعة والأريحية والنبل والشرف والشهامة، فهو يستحسن الغنى إذا كان مقرونا بالجود، والعدل مضافا إلى الرحمة، والعقل إذا كان مع الورع، والقوة مع العفو، والشرف مع التواضع، واللذة مع التصون، والصداقة مع الإيثار، وقد مر بك خبر عبد الحميد الكاتب لما التجأ إليه، وخبر جاره الذي أراد أن يبيع داره.
ترجع حكمة ابن المقفع إلى مصادر شتى، فالإقدام والشجاعة والحمية والأنفة والكرم والإيثار عربي، وحب الخير وتعظيم أمر الدين والمساواة والتقوى والاهتمام بأمور الآخرة إسلامي، وما سوى ذلك كالرضا والقناعة وسعة الصدر والأخذ بالحزم والتدبير في شئون الفرد والجماعة وعبادة الجمال هندي وفارسي ويوناني.
على تلك الأصول تعتمد حكمته، وعنها تتفرع آراؤه في الدين والحكومة والأخلاق وحياة الفرد والجماعة، أما الدين فإنه يعظم من شأنه كثيرا ويعتده أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده ويرى الوقوف عند حدوده، وأما الحكومة فيجب أن تقوم على العدل، فتجزي المحسن بإحسانه وتجازي المسيء بإساءته، ولا فضل لأحد على أحد عندها إلا بالطاعة والإخلاص، وأما رأس الحكومة فمقدس وواجب الإطاعة والمداراة، ولا تصلح الناس إلا به إذا كان عادلا، وما أجل خطر الملك عند ابن المقفع في أمور الدين والدنيا! فبصلاحه صلاح الرعية وبفساده فسادها، وحقه على الناس أعظم من حق الناس عليه ، وذلك رأي فارسي؛ لأن الفرس كانوا يعتقدون أن الأكاسرة يستمدون سلطتهم من الله، وقد شغل السلطان جزءا كبيرا من حكمة ابن المقفع، فمن ذلك قوله: «الناس على دين السلطان إلا القليل، فليكن للبر والمروءة عنده نفاق، فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض.»
وقوله: «لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، فإن كنت حافظا إذا ولوك حذرا إذا قربوك أمينا إذا ائتمنوك، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم، وتؤدبهم وكأنك تتأدب بهم، وتشكر لهم ولا تكلفهم الشكر، ذليلا إذا صرموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد والحذر منهم كل الحذر، وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فاستغن به، فإنه من يخدم السلطان بحقه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن يخدمه بغير حقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة.»
وقوله وهو غاية في طاعة السلطان ومداراته: «جانب المسخوط عليه والظنين عند السلطان، ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرن له عذرا، ولا تثن عليه عند أحد.»