تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومِنْها: وَعْدُ مَن هاجَرَ رافِضاً للظُّلْمِ والهَوانِ بَأنْ يُبَوِّأَهُمُ اللهُ فِي الدُنْيا ما يَجْبُرُ الذِي لاقَوْهُ منَ الفِتْنَةِ والأذَى، مَعَ النصْرِ علَى العَدُوِّ؛ والأمْنِ فِي الحَياةِ!، النحْل/41؛ والنور/55.

ومِنْها: أنْ يُرْزَقَ المُهاجِرُ الولَدَ الصالِحَ؛ وأنْ يُبْقِيَ اللهُ تعالَى لَهُ ذِكْراً جَميلاً فِي الصالِحينَ؛ كما قالَ تعالَى عن إبراهِيمَ علَيهِ الصلاةُ والسلام: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، فإنهُ لما اعْتَزلَ أباهُ وقَومَهُ إقامَةً للتوحِيدِ فاسْتَوحَشَ بالمُفارَقَةِ عُوِّضَ عَنْها ذُرِّيَةً يَأنَسُ بِهِم!، ولَما تَبَرّأَ مِن أبَيهِ فِي مَرْضاةِ اللهِ تعالَى سَمّاهُ اللهُ تعالَى أباً للمُسْلِمينَ فقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ وإنّما خَصَّ إسحاقَ ويَعقُوبَ بالذكْرِ هُنا دُونَ إسماعِيلَ؛ لأنَّ سارَةَ كانَت قَدْ اعْتَزَلَتْ قَومَها وهاجَرَتْ إرضاءً لِرَبِّها؛ ثمَّ لزَوْجِها؛ فَذكَرَ المَوهِبَةَ الشامِلَةَ لإبراهِيمَ علَيهِ السلامُ ولِزَوْجِهِ؛ وهِي: اسحاقُ ومِن وراءِ إسحاقَ يَعْقوبُ، ثُمَّ إنَّ اسماعِيلَ قَد اخْتارَهُ اللهُ تعالَى لجِوارِ بَيتِهِ الحَرامِ؛ وشارَكَ أباهُ فِي بِنائِهِ؛ وهُو أعْظَمُ مِنْ جِوارِ إسحاقَ ويَعْقوبَ أباهُما، وقَدْ صارَ إسماعِيلُ جَدَّ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ قَبلَ أنْ يَصِيرَ يَعْقُوبُ جَدَّ أُمَّةٍ، صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيهِمْ أجْمَعِينَ.

ولِسانُ الصدْقِ: القُدْوَةُ فِي الدينِ والخَيرِ؛ كما قالَ سُبحانَه: ﴿وَاجْعَلْ لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخِرِينَ﴾، فَصيَّرَهُ قُدْوَةً حَتَّى ادَّعاهُ أهْلُ الأدْيانِ كُلُّهُمْ.

ومِنْها: حَصُولُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ للمُهاجِرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ﴾ البَقَرة/218و النحل/ 110.

ومِنْها: تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ؛ ودُخُولُ الجَنّاتِ؛ وحُسْنُ الثوابِ من رَبِّ الأَرْضِ والسماواتِ، آل عِمران/195و التوبة/100.

فَلْيَنْظِرُ العاقِلُ فِيما قَدَّمْناهُ؛ كَيفَ كانَت الهِجْرَةُ مَبْدأً أصِيلاً فِي صِناعَةِ الحَياةِ!؛ ثُمَّ لِيَتَأمَّلْ فِيما آلَتْ إلَيْهِ أحْوَالُنا؛ وفِي غَفْلَةِ الناسِ عَن هَذا الأصْلِ؛ ولِيَتَذكَّرْ ما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصحيحِ مِن أنَّ الشيطانَ يَقْعُدُ لابْنِ آدمَ فِي ثَلاثِ عَقَباتٍ!؛ هِي: الإسلامُ؛ والهِجْرَةُ؛ والجِهاد!، وليُعَقِّبْ بِقَولِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾!؛ وإنَّما يُقابِلُ الحَياةَ المَوْتُ!؛ والأُمَمُ تَحْيا بالأسْبابِ التِي تَحْيا بِها الأَفْرادُ؛ وتَموتُ بالأسْبابِ التِي بِها يَموتُون!، ولِذا كانَ من دُعاءِ النّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: اللهُمَّ أمْضِ لأَصْحابِي هِجْرَتَهُم ولا تَرُدَّهُمْ علَى أعْقابِهِم خاسِرِينَ، فَجَعَلَ النكوصَ عَن هَذا القانُونِ الشرْعِيِّ الكَونِيِّ خُسْراناً يلْحَقُ الأفْرادَ كما يَلْحَقُ الأمَمَ.

وبالله وحْدَهُ التوفِيق.

سلسلة مقالات أسمار · الصفحة ٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات أسمارص ٩٦