تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالَ ابنُ عادِلٍ (كانَ حَيّا فِي 880 للهجرة) فِي تَفْسيرِهِ المعروفِ باللبابِ: إنا نُشَاهِدُ مِنَ الطيورِ وَسائِرِ الحَيَوَانَاتِ أَعْمَالاً لَطِيفَةً يَعْجَزُ عَنْهَا أَكْثَرُ العُقَلاَءِ ... وثَالِثُها: انْتِقَالُ الكَرَاكِيِّ مِنْ طَرَفٍ مِنْ أَطْرافِ العالَمِ إلَى الطرَفِ الآخَرِ طلَباً لِمَا يُوافِقُها مِنَ الأَهْوِيَةِ. انتهى.

ومِنه ما يُهاجِرُ من شمالِ أوروبا إلى أفريقيا؛ ويَعبرُ فِي طريقهِ البَحْرَ الأبْيضَ المتوسطَ بَعْد استراحَةٍ فٍي مُستَنْقَعاتِ (كانُو كانتَ) الأسبانِيَّةِ، ومنهُ نوعٌ يعيشُ فِي أمريكا الشماليَّةِ يبلغُ طولُهُ نحْو مِترٍ ونصفَ متر؛ يبْنِي أعشاشَهُ فِي شمالِ كَندا؛ ويُهاجِرُ لقضاءِ الشتاءِ فِي وِلايَةِ (تكْساس) الأمريكية، ولهُ صَوتٌ كصوتِ البوقِ؛ وينادِي بَعْضُهُ بَعضاً أثناءَ الطيرانِ فِي الهِجْرَةِ لاجْتماعِ الأفواج، ومن عَجائبِهِ أنهُ يحْتَفِلُ بتزاوجِ الذكَرِ والأنثَى احْتفالاً يُشبِهُ احْتفالَ البَشرَ!، ومِنهُ ما يهاجِرُ من شمالِ نصْفِ الكُرَةِ الشمالِي إلَى جَنوبِ النصفِ المذكورِ فِي الخَريفِ، ثم يَعُودُ إلى موطِنِه الأصلِيِّ فِي فصلِ الربيع، ومنه نوعٌ يُعْرَفُ ب (السانْدهيل) يعيشُ شمالَ روسيا؛ وشمالَ أمريكا؛ وفِي فلوريدا وجورجيا وكوبا وغيرها ويُهاجِرُ فِي أسرابٍ ضخْمَةٍ قَدْ يَضُمُّ السربُ مِنها أكثَرَ من مائةِ ألفِ طائرٍ!؛ فسبحانَ من أعطى كلَّ شيءٍ خلقَهُ ثمَّ هدى.

وفِي جَنُوبِ غَرْبِ (كِينيا) التِي تشتَهِرُ عالميا بحَيواناتِها البريّةِ؛ فِي مطقَةِ (ماساي مارا) تَقعُ فِي كلِّ سَنَةٍ مِن شَهرِ (يوليو) إلَى نِهايَةِ (أغَسطس) واحِدَةٌ من أكبَرِ هِجْراتِ الحَيواناتِ البرِّيّةِ فِي العالَمِ؛ وذلكَ فِي مُتَنَزَّهِ مَحْمِيَّةِ (سِرِنْجِيتِي) الوطَنِيِّ المَشهُورِ فِي (تَنْزانيا)؛ ويَتَجَمَّعُ السكانُ والسائحُونَ لِمُشاهَدَةِ نَحوِ (المليونِ ونصفِ المليونِ!) مِن الحيواناتِ البريّةِ التِي تترافَقُ فِي رِحْلَةِ الهِجْرَةِ فِي الموعِدِ المذكور.

وفِي جَنُوبِ السودانِ: واحِدَةٌ من أكبرِ عملياتِ الهِجْرَةِ للحَيواناتِ الثديِيّةِ علَى وجْهِ اليابِسَةِ مِنَ الأرضِ.

أَمّا بَطَلُ الهِجْرَةِ بَينَ الطُّيُورِ: وَحائِزُ قَصْبِ السَّبْقِ مِنْها؛ فَهُوَ (الخُطّافُ القُطْبِيُّ) الذِي يَقْطَعُ كُلَّ سَنَةٍ فِي هِجْرَتِهِ نَحْوَ (35000) مِن (الكيلومتْرات).

وعُلَماءُ الأَحْياءِ - وإِنْ بَحَثُوا أَسْبابَ هِجْرَةِ هَذِهِ الكائِناتِ؛ وذَكَرُوا مِن أَسْبابِها البَحْثَ عَن ظُرُوفٍ حَياتِيَّةٍ أَكْثَرَ مُلاَءَمَةً لِطَبائِعِها وَتَوْفِيراً لِحَاجاتِها مِن دِفْءِ الجَوِّ؛ وزِيادَةِ الغِذاءِ، أَوْ عَلَّلُوها بالزِّيادَةِ فِي عَدَدِ ساعاتِ النَّهار؛ حَيثُ يُؤَدِّي ذلكَ إلَى أَنْ تُفْرِزَ أَجْسامُها – جِهازُ الغُدَدِ الصّمّاءِ - نَوْعاً مِن (الهرْمُوناتِ) التِي تَعْمَلُ عَمَلَ المَراسِيلِ الكِيمْيائِيَّةِ بَينَ أجْزاءِ الكائِنِ الحَيِّ فَتَدْفَعُ الطيورَ إلَى الهِجْرَةِ – إِلاّ أنَّ كَثِيراً مِن دَوافِعِ الهِجْرَةِ ودَواعِيها لا تَزَالُ مُسْتَعْصِيَةً عَلَى العِلْمِ الحَدِيثِ، لأَنَّهُمْ وَجَدُوا أَنَّ بَعْضَ الطيُورِ تُغادِرُ مَشَاتِيَها مَعَ أَنَّ الأَحْوالَ لا تَزالُ مُلائِمَةً لِبَقائِها هُناك!.

العِلْمُ والإيْمان:

ونَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِن أنَّ العِلْمَ مَهْما اتَّسَعَ سُلْطانُهُ سَيَظَلُّ قَاصِراً عَنْ تَفْسِيرِ هذِهِ المَظاهِرِ ومَثِيلاتٍ كَثِيرَةٍ لَها؛ ما دامَ بَعِيداً عَن هُدَى اللهِ تَعالَى؛ يَعْتَمِدُ علَى العَقْلِ وحْدَهُ فِي إدْراكِ الحَقِيقَةِ، كَما هُو حالُ الفَلْسَفَةِ التَجْرِيبِيَّةِ – وهِي مذهَبٌ يَرفَضُ الرجُوعَ إلَى الوَحْي السماوِيِّ أوِ الدِّينِ مصْدَراً للمَعْرِفَة - واَلتِي يُعَدُّ الإنْجِليزِيُّ (جُون لوك) فِي القرْنِ السادِس عشرَ) أوَّلَ فَلاسِفَتِها الكِبار؛ وبَعْدَهُ (جُورج بارْكلي/ت: 1753) الإيرْلَندِي؛ ثُمَّ الأسكُتْلَنْدِيُّ (ديفيد

سلسلة مقالات أسمار · الصفحة ٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات أسمارص ٧٨