تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفِرارُ مِن مَرْهُوبِ، وَهُو أَعَمُّ وأَحْسَنُ مِمّا كانَتْ تَعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضِ النظَرِيّاتِ الحَدِيثَةِ (بِعَوامِلِ الطَّرْدِ وعَوامِلِ الجَذْبِ)؛ والتِي يَرَى بَعْضُ الباحِثِينَ أنها أصْبَحَتْ نَظَرِيَّةً قَدِيمَةً الآنَ؛ لأسْبابٍ ثَلاثَةٍ: أولاً: لأنها تُرَكِّرُ فَقط على ما هُو ظاهِرٌ من الأسباب؛ كالفَقْر، وثانِيا: لأَنها عاجِزَةٌ عَن تَفِسيرِ سَبَبِ ظُهُورِ تَدَفُّقاتٍ من المُهاجِرِينَ فِي بَعْضِ الأحْيان، وثالِثا: لأنَها عاجِزَةٌ أيْضاً عَنْ تَفْسيرِ استِقْرارِ واسْتِمْرارِ بَعْضِ الأشكالِ الظاهِرَةِ من الهِجْرَةِ حَتّى مَعَ انْتهاءِ الأسبابِ الأوّلِيَّةِ التِي أفْضَتْ إلَى عَوامِلِ الطرْدِ والجَذْب!.

ورُبَّما أتَى علَى الإنْسانِ حِينٌ مِن الدَّهْرِ ظَنَّ فِيهِ أَنَّهُ وَحْدَهُ الذِي يَنْتَقِلُ مِن بَلْدَةٍ إلَى بَلْدَةٍ؛ ومِن أرْضٍ إلَى أرْضٍ لِيَبْحَثَ عَن رِزْقٍ وَفِيرٍ؛ أو دارٍ يَسكُنُها؛ أو أرْضٍ يَزْرَعُها، أو لِيَهْرُبَ مِن خَوْفٍ أو جُوعٍ أو مَرَضٍ، فَإذا بالأحْياءِ تًشاطِرُهُ ذلكَ عَلَى الأرْضِ وفِي الهَواءِ وفِي الماءِ!.

وفِي عِلْمِ الأحْياءِ عِلْمٌ يَبْحَثُ فِي هِجْرَةِ الكائِناتِ الحَيَّةِ؛ ذكَرُوا فِيه أنَّ الطيّورَ والأسماكَ والحَشَراتِ والثَّدْيِيَّاتِ لا تَزالُ تَتَجَنَّبُ بالهِجْرَةِ من مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ ما لا يُلائِمُها مِن الظُّروفِ الحَياتِيَّةِ؛ سواءٌ فِي المَناخِ أو الغِذاءِ، ومِن عُلَماءِ الأحْياءِ مَن يَعُدُّ رَحِيلَ بَعْضِ الحَيواناتِ أو الحَشراتِ هِجْرَةً؛ حَتى وإن كانَ مَن يُهاجِرُ مِنها لا يَعُودُ مَعَ أولادَهِ إلَى الأماكِنِ التِي فارَقَها!؛ هكذا يَقُولُون، وهذه الهِجْراتُ تُوفِّرُ لِهذهِ الأحْياءِ فِي كلِّ مرحَلَةٍ من مراحِلِ حَياتِها ظُروفاً مَعِيشِيَّةً أفْضلَ.

ثُمَّ وُجِدَ أنَّ مُعْظَمَ هِجْرَةِ هذه الحيواناتِ علَى نَوعَينِ: هِجْرَةٍ يَومِيَّةٍ، وأُخْرَى مَوسِميَّةٍ، والموسمِيةُ تحصلُ مرتينِ فِي العام؛ وهِي ثلاثَةُ أنواعٍ أيضاً: هجْرَةٌ عبرَ خُطُوطِ العَرْضِ، ورأسيَّةٌ على المرتَفعاتِ، وثالِثَةٌ محلِّيَّةٌ؛ فالأولَى تَقومُ بِها كثِيرٌ من الطيورِ المُهاجِرة، وتقومُ بالثانِيةِ بَعْضُ حَيواناتِ الجَبلِ، وبالثالِثَةِ غالِبُ الطيور؛ والثَدْييّاتُ المَدارِيّة.

ويذْكُرُونَ أنَّ الهِجْرَةَ فِي الحَيوانِ مَعْرُوفَةٌ من القَدِيمِ؛ (فالكِيسِيَّاتُ) مَثَلاً؛ وهِي من حَيَواناتِ ما قَبْلَ التارِيخِ – وهُو الذِي عاشَ قَبلَ (5500) سَنَة؛ أي قَبلَ عَصْرِ الكِتابَةِ – قَدِ اخْتَفَتْ فِي أمريكا الجَنُوبِيَّةِ بَعْدَ هِجْرَةِ (الكيسِيّاتِ) آكِلَةِ اللحُومِ! مِن أمْرِيكا الشمالِيَّةِ عَن طَرِيقِ الجِسرِ الأرْضِيِّ الضيِّقِ الواقِعِ فِي الطرفِ الجَنوبِيِّ مِنْها، فَهْلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِي جَماعاتِ الحَيَوانِ ظُلْمٌ واضطِهادٌ هُوَ أَحَدُ أسْبابِ هِجْرَتِها كَما هُوَ الحالُ فِي بَنِي الإنْسانِ؟، اللهُ أَعْلَمُ بأَسْرَارِ خَلْقِهِ ومَكْنُونِ حِكْمَتِهِ.

كما بَحَثُوا فِي كَيفِيَّةِ مَعْرِفَةِ هَذهِ الحَيواناتِ طُرُقَ الهِجْرَةِ:

فَمِنْها: ما يَستَعِينُ بالشمسِ والقَمَرِ ورَصْدِ النجومِ وحَركَةِ الأفْلاكِ ..

ومِنْها: ما يَهْتَدِي بالتغَيُّراتِ فِي الحَرارَةِ والرطُوبَةِ واتِّجاهِ الرياحِ وتَياراتِ المُحِيطاتِ ..

ومِنها: ما يَسْتَعْمِلُ المجالََ المغْناطِيسِيَّ للأَرْضِ ..

كما أثْبَتَتِ التجارِبُ وُجُودَ المِلاحَةِ لدَى الطيورِ المُهاجِرَةِ؛ حَتَّى إنَّ بَعْضَها لما أُخِذَتْ بَعِيداً عَن أماكِنها آلافَ الأميالِ استَطاعَتِ العَودَةَ والاهْتِداءَ لأماكِنِها الأصْلِيَّةِ!.

ثُمَّ إنّ اللهَ تعالَى قَدْ قَسَّمَ بَينَ هذهِ المَخْلُوقاتِ الأرْزاقَ والهِمَمَ!:

سلسلة مقالات أسمار · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات أسمارص ٧٦