تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لَهُ وَعَزَمَ علَى الْمُضِيِّ إِلَى الجامِعِ العَتِيقِ بِمِصْرَ بَعْدَ العَصْرِ وَأَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُقِيمَ الرجُلَ والْمَرْأَةَ أمامَ الناسِ لِهَذا الغَرَض، وَعَيَّنَ واحداً مِنْ جُلَسائِهِ لأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِ الرَّجُلِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الشهادَةِ الرابِعَةِ ويُخَوِّفَهُ مِنْ قَوْلِ الخامِسَةِ ويَقُولَ: إنّها مُوجِبَةٌ لِلَعْنَةِ اللهِ وغَضَبِهِ، وَعَيَّنَ امْرَأَةً تَضَعُ يَدَها علَى فَمِ المرْأَةِ أَيْضاً عِنْدَ فَراغِها مِن الشهادَةِ الرابِعَةِ وتَقُولُ لَها مِثْلَ ما قِيلَ للرَّجُلِ، وَتَبَادَرَ الناسُ؛ وازْدَحَمُوا علَى الاجْتِماعِ؛ وحَضَرَتِ الشهُودُ، فَحَسَدَهُ أَبُو الذَّكْرِ الْمَالِكِيُّ الذي كانَ حَاكِماً بِمِصْرَ قَبْلَهُ علَى شَرَفِ هذا الْمَجْلِسِ!؛ وتَرَفَّقَ أَبُو الذَّكْرِ هذَا بالرَّجُلِ حَتَّى اعْتَرَفَ بالبِنْتِ؛ وَسَأَلَ الزَّوْجَةَ إِعْفاءَهُ مِنَ الْحَدّ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ بِفِعْلِهِ - وأَبُو بَكْرٍ مِنْ أَذْكَى الْخَلْقِ قَريحَةً - أَمَرَ بِأَنْ تُحْمَلَ البِنْتُ عَلَى كَتِفِ أَبِيها وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ وَيُنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا الذِي جَحَدَ ابْنَتَهُ فَاعْرِفُوهُ!.

وَهَذا التَّعْزِيرُ الذِي حَكَمَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ ذَكائِهِ!؛ لأّنَّهُ قَدْ عَمِلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا عُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَكِيدَةِ!، حَيثُ ظَنَّ الذي كادَ لهُ بِهذا أنَّهُ سَيُفَوِّتُ عَلَيْهِ بذلكَ شُهْرَتَهُ بَينَ الناسِ؛ وأنَّ الناسَ يَتَّخِذُونَ ذلكَ ذَريعَةً للطعْنِ في عَدَمِ تَثَبُّتِهِ في القضاء، فَحَصَلُ لهُ بِما فَعَلَ رَدُّ هذا كُلِّهِ وزِيادَة.

واستَمْعْ إلى القِصَّةِ العَجِيبَةِ للقَاضِِي أَبِي بَكْر الباقِلاَّنِيِّ المالِكِيِّ مَعَ مَلِكِ الرومِ:

وكانَ أُبو بَكْرٍ رَحِمَهُ الله مِنْ نَوادِرِ الدَّهْرِ فِطْنَةً وذَكاءً، بَعَثَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إلى مَلِكِ الرومِ لِيُظْهِرَ رِفْعَةَ الإسْلامِ ويَغُضَّ مِن النصْرَانِيَّة، فَسارَ حتَّى أَتَى بِلادَ الرُّومِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْكِي ذلك:

وَصَلْتُ إلَى مَلِكِ الرُّومِ بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ؛ وَأُخْبِرَ الْمَلِكُ بِقُدُومِنَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا مَنْ تَلَقَّانَا ..

وَقَالَ (رَسُولُ المَلك): لا تَدْخُلُوا عَلَى الْمَلِكِ بِعَمائِمِكُمْ، حَتَّى تَنْزِعُوهَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مَنادِيلَ لِطَافاً، وَحَتَّى تَنْزِعُوا أَخْفَافَكُمْ! ...

فَقُلْتُ: لا أَفْعَلُ؛ وَلا أَدْخُلُ، إِلاّ بِما أَنَا عَلَيْهِ مِنَ الزِّيِّ واللِّبَاسِ؛ فَإِنْ رَضِيتُمْ، وَإِلاَّ فَخُذُوا الكُتُبَ تَقْرَأُونَها، وَأَرْسِلُوا بِجَوابِها وَأَعُودُ بِه.

فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ الْمَلِكُ؛ فَقال: أُرِيدُ مَعْرِفَةَ سَبَبِ هَذا وامْتِناعِهِ عَمَّا مَضَى عَلَيْهِ رَسْمِي مَعَ الرُّسُلِ؟!.

فَسُئِلَ القَاضِي عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَمَا تُحِبُّونَهُ ذُلٌّ وَصَغَارٌ؛ وَاللهُ تَعالَى قَدْ رَفَعَنَا بالإِسْلامِ وَأَعَزَّنا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم!، وَأَيْضاً فَإِنَّ مِنْ شَانِ الْمُلُوكِ، إِذَا بَعَثُوا رُسُلَهُمْ إلَى مَلِكٍ آخَرَ رَفْعُ أَقْدارِهِمْ؛ لاَ إِذْلاَلُهُمْ، سِيَّمَا إِذَا كانَ الرسُولُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ؛ وَوَضْعُ قَدْرِهِ انْهِدَامُ جَانِبِهِ عِنْدَ اللهِ تَعالَى وَعْنْدَ الْمُسْلِمِينَ!؛ وهَذَهِ الثِّيابُ أَدْخُلُ بِها عَلَى سُلْطَانِنَا الأَكْرَمِ الذِي هُوَ تَحْتَ يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ، وَأَدْخُلُ بِهَا عَلَى سُلْطانِنا الأَكْرَمِ الذِي أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ

سلسلة مقالات أسمار · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات أسمارص ١٨