تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقَدْ أَوْجَبَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنْ تَقارُبِ الزِّمانِ والمَكانِ واتِّساعِ دَوائِرِ العُلُومِ وتَشابُكِها فِي كَثيرٍ مِنَ المَواطِنِ أَنْ يُسَخِّرَ العُلَماءُ المُصْلِحُونَ هَذا كُلَّهُ لِمَصْلَحَةِ دَعْوَةِ الإسْلام، لأنَّ فِي ذلكَ بُرْهاناً عَمَلِيّاً علَى أنَّ الإسْلامَ ودَعْوَةَ الإسلامِ لَيْسَت اجْتِراراً للماضِي العَريقِ فَحَسْبُ!؛ ولا تَذكاراً لِعُهُودٍ خَلَتْ تَبْعَثُ عَلَى الفَخْرِ والاعْتِزَازِ تارَةً؛ وعَلَى الحَسْرَةِ وعَضِّ أَطْرافِ البَنانِ على ما صِرْنا إلَيهِ أُخْرَى؛ دُونَ أنْ يَكُونَ مِنْ وَراءِ ذلكَ خُطَّةٌ تَهْدِفُ إلى ارْتِقاءِ الأُمَّةِ سَنامَ عِزَّتِها بَعْدَ أنْ تَخَلَّى كثيرُونَ عَنْهُ دَهْراً طَويلا!!.

وما لَمْ نَسْتَدْرِكْ ذلك؛ وما بَقِيَ حَديثُنا تَكْراراً لِما هُوَ عَلَيْه؛ يَعْتَمِدُ رُوحَ الحَماسَةِ وحْدَها؛ ويَقْصِدُ إلى تَقْريرِ ما استَقَرَّ فِي النفُوسِ ورَسخَ في الأفْهامِ والانْتِصارِ لهُ عَلى طَريقَةِ المُقَلِّدَةِ المُتَعَصِّبَةِ مِنْ أَتْباعِ المذاهبِ، ويَهْتَمُّ بِالكَثْرَةِ وَرَوْنَقِ العِبارَةِ خَلِيّاً عَنِ التقْعِيدِ والتاصِيلِ؛ مُجَافِياً لِدقَّةِ النَّظَرِ وعُمْقِ البحثِ؛ بَعِيداً عَنِ الغَوْصِ فِي مُشْكِلاتِ الحَياةِ المُعاصِرَةِ وعِلَلِها؛ مُجَانِباً العِنَايةَ بالكلِّيَّاتِ التي يَنْتَظِمُ صلاحُهَا صَلاحَ كَثِيرٍ مِن الْجُزْئِيَّاتِ التِي تَنْدَرِجُ تَحْتَها ... أَقُولُ: مَا لَمْ نَسْتدْرِكْ ذلكَ بَقِينا مُتَخَلِّفِينَ فِي المَيْدانِ؛ وبادَرَ عَدُوُّنا قَصْبَ السَّبْقِ علَى فَتْرَةٍ مِنَّا؛ فاسْتَحْوَذَ عَلَى القُلُوبِ والنُّفُوس؛ وتَمكّنَ مِنَ الأفْكارِ والعقُولِ؛ وكُنَّا نَحْنُ في مَعْزِلٍ عَن وَاحِدٍ مِنْ أَهَمِّ أسْبابِ القُوَّةِ والتمْكِين!.

ومِنْ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ يُنْتَزَعُ المَعْنَى الذي أَشَرْنا إليْهِ مِنْ أَنّهُ يَتَناوَلُ لِسانَ الحالِ ولِسانَ الزمانِ كما يَتَناوَلُ لسانَ اللغَةِ علَى حدٍّ سواء، وإلى هذا تُشيرُ عِباراتُ المُفَسرينَ بِنَحْوِ قَولِ شهابِ الدينِ الألُوسيَّ رَحِمَهُ الله: أي بِكَلامٍ يُناسبُ حالَهم واسْتِعدادَهمْ وقَدْرَ عقُولِهِمْ؛ وإلاَّ لم يَفْهَمُوا فلا يَحْصُلُ البيانُ.

بَلْ جَوّزَ الرازيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ أَهْلَ بَلَدِهِ لا أَهْلَ دَعْوَتِه. يعْنِي أنَّ لكُلِّ بلْدَةٍ لِساناً يُخاطَبُونَ به؛ بِحَسْبِ طَبائِعِهِمْ وعاداتِهِمْ وتقاليدِهِمْ.

وقالَ البِقَاعِيُّ: وكانَ صلّى الله علَيْهِ وسلَّمَ يُخاطِبُ كُلَّ طائِفَةٍ مِنْ طَوائفِ العَرَبِ بِلِسانِها ويُكَلِّمُها بِما تَفْهَمُ، وتَأَمَّلْ كَم بينَ كتابِهِ صلَّى الله عَليْهِ وسلَّمَ لأنَسٍ في الصدَقَةِ وكتابِهِ إلى وائِلِ بنِ حُجْرٍ معَ اتِّحادِ الغَرَض!، وللكِتابَيْنِ نَظائِرُ يُوقَفُ عَليْها في مَظانِّها؛ وكلُّ ذلكَ لِتَقُومَ الحجَّةُ على الجَميع. انتَهى.

ثُمَّ انْظُرْ في مُحاجَّةِ القُرْآن للنصارَى واليَهُودِ؛ أَوَّلاً، وفِي قَوْلِ النبِيِّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِزَيدِ بنِ ثابِتٍ: ﴿تعلّمْ كتابَ اليهود، فإني لا آمنُهُمْ على كِتابِنا﴾؛ ثانِياً، وَ فِي قَوْلِ مَنْ جَّوَّزَ الاشْتِغالَ بِعُلُومِ المَنْطِقِ وعِلْمِ الكَلامِ لِكامِلِ القَرِيحَةِ مِنَ العُلَماءِ لِيَسْتَعينَ بهِ عَلَى مُجادَلَةِ الخُصُومِ المُشْتَغِلِينَ بِهِ؛ ثالِثاً، وفِي نَحْوِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدُونَ في رِسالَةِ القَضاءِ والحِسْبَةِ: يَجِبُ علَى القاضِي أن يَجْعَلَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ رَجُلاً من أهلِها فَقِيهاً عالماً خَيِّراً يُصْلِحُ بَيْنَ الناسِ إذا وَقَعَ الخلافُ في شَيئٍ مِن أُمُورِهِمِ؛ رَابِعاً، فَتَأَمَّلْ هذا وأمثالَهُ يَلُحْ لَكَ دَليلٌ آخَرُ لِما قَرَّرْناهُ وبَيَّنَّاه.

أما الذي رَأَيْتُهُ رَايَ العَيْنِ وَعَهِدْتُهُ بالتَّجْرِبَةِ العَمَلِيَّةِ فَهُوَ أنَّ هناكَ فَجْوَةً واسِعَةً بَيْنَ ما نَرَاهُ مِنْ حَالِ (خِطابِ الدَّعْوَةِ) وبَيْنَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْه!؛ حتَّى إنَّ كثيرِينَ مِنْ حَمَلَةِ العِلْمِ والهُدَى قَدْ حُرِمُوا نِعْمَةَ إيصالِ الخَيْرِ إلى الناسِ لأَجْلِ ما ارْتَضَوْا لأنْفُسِهِمْ من الوُقُوفِ عِنْدَ تلْكَ الفَجْوَةِ لا يَتَجَاوَزُونَها!!؛ حتّى أَصْبَحَ تَكْثِيرُ العَدَاواتِ والخُصُومِ نَهْجاً رَائِداً وسَبيلاً مُتَّبَعاً!؛ بل ومِيزاناً يُعْتَبَرُ بِهِ صِدْقُ الداعِيَةِ وإخْلاصُهُ لِدَعْوَتِهِ؛ ولَوْ تجَرَّدَ عَن مُراعاةِ أُصُولِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ واعْتِبارِ مقاصِدِ الشرْعِ!!، ولله الأَمْرُ مِنْ قَبلُ ومِنْ بعد.

وتِلْكَ خطّةٌ لا تُبْنَى بِها أُمَّةٌ؛ ولا يُرْتَجَى مَعَها (مِنْ جِهَةِ الأسْبابِ) النصْرُ، إذ فِقْهُ (إبلاغِ الدعْوَةِ) مِنَ الكُلِّيَّاتِ التي يَصْلُحُ بِصَلاحِها كَثِيرٌ مِن الجُزْئِيَّات؛ وذلكَ راجِعٌ إلى قَاعِدَةِ السياسَةِ الشرْعِيَّةِ التي يَنْتَظِمُ بِها أَمْرُ التمكِينِ لِسُلْطانِ الإسْلام.

سلسلة مقالات أسمار · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سلسلة مقالات أسمارص ١٥٣