جَابِياً!، وإِنَّما غايَتُهُ عِبادَةُ اللهِ تعالَى وعِمارَةُ الأرْضِ بإقامَةِ العَدْلِ الذِي جاءَ بِهِ كِتابُ اللهُ وهَدْيُ نَبِيِّهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ.
وَأَنْشَأَتْ (جُمانَةُ) عِنْدَ هَذا المَوْضِعِ – وقَدْ أَطْرَقْتُ أَجْمَعُ شَوارِدَ الأَفْكارِ – تَقُول:
- لَقَدْ قَرَاتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ قِصَّةٍ حِكَمِيَّةٍ، تُنْسَبُ إِلَى لُقْمانَ الحَكِيمِ رَحِمَهُ اللهُ، أَخالُها تَصْلُحُ لِما نَحْنُ فِيه!، وَتَذْكُرُ أَنَّ شَيْخاً هَرِماً قَدِ اتَّخَذَ مُهْراً عَرِيقَ الأَصْلِ كَرِيمَ النَّسَبِ لِحاجَتِهِ، فَكانَ الشَّيْخُ لا يَزَالُ يُجِيعُهُ وَيُدْئِبُهُ - (أَيْ: يُكْثِرُ رُكُوبَهُ والعَمَلَ عَليه)؛ فَلا هُوَ بالذِي يَابَهُ لَهُ؛ ولا هُوَ بالذِي يَرْحَمُهُ وَيُشْفِقُ عَلَيه!؛ وقَدْ جَعَلَ طَعامَهُ حَفْنَتَي شَعِيرٍ وقَليلاً مِن الماءِ، وَطالَ الأَمَدُ بالمُهْرِ وهُوَ عَلَى حالِهِ هَذا؛ فَما عادَ يَرْجُو لَهُ تَبْدِيلا، ولا يَطْلُبُ عَما هُو فِيهِ تَحْويلاً!، حَتَّى تَمَثَّلَتِ الدُّنْيا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فِي الشَّعِيرِ والماء!، فَلَو أَنْ سائِلاً سَألَهُ عَنْها وقُدِّرَ لَهُ أنْ يَجِيبَ؛ لَذكَرَهُما ولا مَزيد!.
فَلَمّا كانَ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ؛ يَمَّمَ الشَّيْخُ وَجْهَ مُهْرِهِ نَحْوَ قَرْيَةٍ أُخْرَى لِبَعْضِ حاجَتِه، فَأَتَيا فِي الطَّرِيقِ علَى رَوْضَةٍ غَناءَ؛ قَدْ جاوَزَتْ مَدارِكَ الأبْصارِ أَرْجاؤُها!، وتَنَاثَرَتْ أَزَاهِيرُها وقَدْ تَقاسَمَتْها أَنْحاؤُها!، تَدَاوَلُها خُيُوطُ الشَّمْسِ تارَةً؛ وعَذْبُ النّسَماتِ أُخْرى!، فَخَلَّى الشَّيْخُ مُهْرَهُ؛ وَأَوى إلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ يَطْلُبُ الرَّاحَةَ والمَقِيل ..
فَإنَّ المُهْرَ لَوَاقِفٌ يَنَظُرُ إلَى الشَّيْخِ مَرَّةً وإلَى الرَّوْضَةِ مَرَّة؛ وهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الذِي يَرَاهُ إِنَّما هُوَ لِغَلَبَةِ الإعْياءِ علَيهِ!؛ كَمَنْ تَغْلِبُهُ الصَّفْراءُ! فَيَرَى فِي مَنامِهِ صُفْرَةً كَثِيرَةً وشُمُوساً ونِيراناً!، أَوْ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ البَلْغَمُ؛ فَيَرَى أَمْطاراً وغُيُوماً ومِياهاً؛ وهُوَ لا يَعقِلُ مِنْ ذلكَ شَيئاً!، فَأغْمَضَ عَيْنَيْهِ! ثُمَّ فَتَحَهُما، فَلَمْ تَزْدَدِ الصُّورَةُ إِلاَّ جَلاءً!!، ثُمَّ أَغْمَضَهُما وفَتَحَهُما؛ ثانِيَةً!؛ فَثالَثَةً!!؛ فَرابِعَةً!!!، وهُوَ يَكادُ يَتَّهِمُ لُبَّهُ؛ لَعَلَّ مَكْرُوهاً أصابَه!، اللهُمَّ إنْ كَذَبَنِي الناسُ؛ أَتَكْذِبُنِي عَينايَ؟!؛ وَإنْ خَدَعُونِي؛ أَيَخْدَعُنِي سَمْعِي وأُذُنَاي!، كَلاّ؛ كَلاّ!؛ فَثَمَّةَ زَهْرٌ وَأرِيج، وحُقُولٌ ومُرُوج، وسَماءٌ وبُرُوج!، واحَسْرَتاهُ عَلَى سِنِيِّ الماءِ والشَّعِير!، ... ثُمَّ مَدَّ صَهِيلَه، واسْتَقْبَلَ مِنَ الهَواءِ علَيلَهُ!، ثُمَّ نَكَتَ الأَرْضَ بِحافِرِهِ وفَحَص، ثُمَّ قَمَصَ ورَقَص، وتَذَكَّرَ الشَّيْخَ الهَرِمَ!؛ وَقَال: لاَ رَحِمَ اللهُ إلاّ مَنْ رَحِم!، ثُمَّ اسْتَنَّ شَوْطَيْنِ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَعَلَهُما وِتْراً، وَرَاحُ يَزِيدُ وَاحِداً فَواحِداً هَكَذا دَوالَيْكَ تَتْرَى ...
وَلَمْ يَلْبَث الشَّيْخُ أنْ استَيْقَظَ مِن مَنامَهِ؛ وأخَذَ فِي جَمْعِ حَوائِجِهِ، إِذْ رَأَى فِي ناحِيَةِ الجَبَلِ دُبّاً عَظِيمَ الجُثَّةِ مُقْبِلاً نَحْوَهُما!، فَقامَ يَعْدُو؛ ويُنادِي: هُلُمَّ يا مُهْرِي هَلُمّ، النَّجاةَ النَجَاةَ!، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ المُهْرُ؛ وقالَ: ما شَانُكُ؟!، فَقالَ؛ وإِنَّهُ لَمُنْكِرٌ سُؤَالَهُ: العَدُوُّ!؛ ألا تَرَاهُ قَدْ أَقْبل؟!، وعَلَيكَ فِي الخَلاصِ بَعْدَ اللهِ المُعَوَّل!.
فَبَادَرَهُ ولَمْ يُمْهِلْهُ؛ وَقال: يا شَيْخُ!؛ خَلِّ عَنْكَ؛ واذْهَبْ إلَى حالِ سَبِيلِك!، فالمَوْتُ لا يَكُونُ إلا مَرَّة!، وسَاعَةٌ مِنْ كَرَامَةٍ تَنْتَهِي بالمَوْتِ خَيْرٌ مِن حَياةٍ مُرَّة!!.
- بالحِكْمَةِ تَطَقْتِ يا (جُمانَةُ)!، إنَّ أَوَّلَ مَنازِلِ الخَلاصِ أَنْ يَدَعَ الإنْسانُ ما أَلِفَ وتَعَوَّد، وأنْ يُزِيحَ عَنْ عُنُقِهِ وَكاهِلِهِ ما أرْهَقَهُ مِنْ أَغْلاَلِ العُبودِيَّةِ لِغَيْرِ خالِقِهِ ومَوْلاه، وما ناءَ بِهِ مِن أَحْمالِ الخُضُوعِ لِغَيْرِ سُلْطانِهِ، فِإنَّهُ لَنْ يَعْرِفَ مَرارَةَ الدواءِ؛ إلا إذا ذاقَ حَلاوَةَ الشِّفاء!، وطَعْمُ الكَرامَة؛ يَبَدِّدُ الليلَ وظَلامَه!.