وجَاءُوا بِما لَمْ يَقْبَلِ العَقْلُ مِثْلَهُ ... ولا يَرْتَضِيهِ فِي الحَقِيقَةِ عاقِلُ ...
شُهُودٌ كَأَسْنانِ الحِمارِ فَبَعْضُهُمْ ... لِبَعْضٍ - وإنْ يَابَ الغَبِيُّ - أَماثِلُ ...
أراذِلُ قَوْمٍ ساءَ ما شَهِدُوا بِهِ ... وما ضَرَّتِ الأشْرافَ تِلْكَ الأراذِلُِ ...
ومَا حاقَ مَكْرُ السَّوْءِ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ... وبَعْدُ؛ فَما يُدْرِيكَ ما اللهُ فاعِلُ
إنَّ الأدْعِياءَ الذِينَ قَعَدُوا للفَتاةِ المُسْلِمَةِ بِمَرْصَدٍ يَغْتالُونَ شَرَفَها ويَئِدُونَ طُهْرَها! إنْ هُمْ إلاّ صَدَى أولئكَ الذينَ شَرِقُوا بِمَكانَةِ المَرْأةِ وغَصُّوا بِعُلُوِّ مَنْزِلَتِها فِي مُجْتَمَعاتِنا، حَيثُ رَأَوْها مُكَرَّمَةً فَتاةً!؛ ومَصُونَةً زَوْجَةً!؛ ومُطاعَةً أُمّا!، ولا زِلْتُ أَذكُرُ المَرْأَةَ الأَمْرِيكِيَّةَ التِي زارَتْ بَعْضَ أقارِبِنا منْ نَحْوِ عِشرينَ عاماً؛ ومَكَثَتْ فِي ضِيافَتِهِمْ أياماً - وكانَت المَرَّةَ الأولَى التِي تَزُورُ فِيها بِلادَ الشرْق – فَرَأَتْ الجَدَّةَ فِي ذَلكَ البَيْتِ ومِن حَولِها أبْناؤُها وزَوجاتُهُمْ وبَناتُها وأَزْواجُهُمْ وبَنُوهُمْ جَمِيعاً! وهِي تَقُومُ علَى خِدْمَةِ ضُيُوفِها فَتَامُرُ هَذهِ وتَدْعُو تِلكَ!؛ وتُرْسِلُ فُلاناً فِي حاجَةً وفُلاناً فِي أُخْرَى!؛ وهِي مَحَلُّ إجْلالٍ واحْتِرامٍ عِنْدَ الجَمِيع!!، فَلا يَعْتَرِضُ علَيْها أحَدٌ؛ ولا يُخالِفُها أَحَد!، فَما كانَ مِن (الأمْرِيكِيَّةِ) إِلاّ أنْ رَفَعَتْ صَوتَها تُرَدِّدُ قائلَةً: ( Great Mother ، Great Mother)!، وحُقَّ لَها والله، فَقَدْ اعْتادَتْ فِي بِلادِها أنْ تَسْمَعَ أقَلَّ كَلِمَةٍ مِنَ الصّبِيِّ إذا خاطَبَ أُمَّهُ غاضِباً أنْ يَقُولَ لَها: ( Cow)؛ أَي: بَقَرَة!!، وأمّا مُكافَأَتُها إنْ هِيَ أسَنَّتْ وتَقَدَّمَتْ بِها الحَياةُ وصارَتْ أحْوجَ ما تَكُونُ إلَيهِ؛ فَهِيَ أنْ يُلْقِيَها فِي دُورِ العَجَزَةِ تَنْتَطِرُ ساعَةَ مَوْتِها!؛ ولِذا أثْبَتَتْ إحْصاءاتٌ أٌخْرَى أنَّ أعْلَى نِسْبَةِ انْتِحارٍ فِي أَمْرِيكا تَقَعُ فِيمَنْ يَبْلُغُونَ مِن العُمُرِ (75) عاماً؛ وتَبْلُغُ حالاتُ الانْتِحارِ بَيْنَ هَذه الفْئَةِ العُمْرِيَّةِ أكْثَرَ مِن (16) شَخْصاً لِكُلِّ مائةِ ألْفِ شَخْصٍ مِن مَجْمُوعِ السكانِ!، مَعَ التذكِيرِ بأنَّ المَوْتَ انْتِحاراً مَعْدُودٌ هُناكَ بَينَ أعْلَى عَشَرَةِ أَسْبابٍ مِن أسْبابِ المَوت، وَأما ما بَينَ ذلكَ فَلَنْ أنْسَى ما حَكاهُ صاحِبٌ لَنا مِن أَنّهُ شاهَدَ جارَةً لَهُ تَقِفُ مَعَ امْرأَةٍ عَجُوزٍ أمامَ بابِ بَيتِها لِنَحْو أرْبَعِ ساعاتٍ أو يَزِيدُ! – وكانَ قَدْ خَرَجَ إلَى عَملِهِ فَرَآهما واقِفَينَ وعادَ وهما علَى حالِهِما!، قالَ: فَعَجِبْتُ لِذلكَ؛ وسألْتُها عَنْ ضَيْفَتِها! مَن تَكون؟. فقالَت: هِيَ أُمِّي! حَضرَتْ لزِيارَتِي بَعْدَما غابَتْ عَنِّي ثلاثَ سَنِينَ لَمْ أرَها فِيهِنَّ إلا هَذه الساعَة!!.
- لَقَدْ رَدّدُ غَرْبِيُّونَ ومُسْتَغْرِبُونَ! الحَدِيثَ كَثِيراً عَنْ ظُلْمِ المَرْأةِ فِي الشرْقِ عامَّةً؛ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ خاصَّة!؛ وأَنَّها لا تَزالُ رَهْنَ ما وَرِثَتْهُ مِن العاداتِ والتقالِيد!، وقالُوا: حَسْبُكُمْ ظُلْماً لَها أنْ جَعلْتُمْ أَمْرَها بِيَدِ غَيرِها، وقَطَعْتُمْ صِلَتَها بالمُجْتَمَعِ حِينَ فَرَضْتُمْ علَيها عُزْلَةً عَنْهُ؛ فَلا تَخالِطُ أحَداً ولا يَرَاها أَحَدٌ؛ حَتَى غَدتْ كما لَو كانَتْ تَعِيشُ فٍي كَوكَبٍ آخَرَ لا فِي الأرْضِ!، مَعَ أنّها الشطْرُ الثانِي مِن المُجْتَمَعِ؛ بلْ لا يَكُونُ مُجْتَمَعاً إلا بِها، وكَأنَّكُمُ نَزَعْتُمْ عَنْها الثقَةَ بِهَا حِينَ قَيّدْتُمُوها بِكلِّ ذلك!.
- إنَّ الذينَ يُصَدِّقُونَ ما يُقالُ مِن ذلكَ يا ابْنَتِي قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ جَهْلٍ وَسَفَهٍ؛ أو بَيْنَ جَهْلَينِ، ذلكَ أَنَّنا إذا أَرَدْنا أنْ نَقْدُرُ لِلأَمْرٍ حَقَّ قَدْرِهِ تَوَجَّبَ عَلَيْنَا أَمْرانِ:
أَنْ نَنْظُرَ للسُّنَّةِ التَكْوِينِيَّةِ القَدَرِيَّةِ فِي خَلْقِ المَرْأةِ؛ وفِي المَوْضِعِ الذي يَتَلاءَمُ مَعَ طَبِيعَتِها فِي الحَياةِ، وفِي مِقْدارِ الضرُورَةِ الاجْتِماعِيةِ وحاجَةِ المُجْتَمَعِ إلَى ذلكَ.