تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومِنْها: مَا فِي الشرْحِ الكَبِيرِ للدَّرْدِيرِ مِن كُتُبِ المالِكِيَّةِ: وَفُصِّلَتِ الشهَادَةُ فِيهِ، أَيْ: فِي الكُفْرِ وُجُوباً؛ فَلاَ يَكْتَفِي القَاضِي بِقَوْلِ الشَّاهِدِ أَنَّهُ كُفْرٌ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا كَفَرَ بِهِ بَيَاناً وَاضِحاً لاَ إِجْمَالَ فِيهِ، بِأَنْ يَقُولَ: كَفَرَ بِقَوْلِهِ كَذَا أَوْ بِفِعْلِهِ كَذَا؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ كُفْرٌ وَهُوَ فِي الوَاقِعِ لَيْسَ كَذَلِكَ. انتهى.

ونَحْوُهُ فِي مِنَحِ الجليلِ؛ وقال: لأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَفْكُ دَمٍ؛ وَقَطْعُ عِصْمَةٍ؛ وَحَجْرُ مَالٍ؛ وَمَنْعُ وَارِثٍ وَغَيْرُهَا ... ؛ وَقَدْ يَرَى الشَّاهِدُ تَكْفِيرَهُ بِمَا لَيْسَ كُفْرًا، وَظَاهِرُ كَلامِهِ وُجُوبُ التَّفْصِيلِ، وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ. انتهى.

ونَحْوُهُ فِي التاجِ والإكلِيلِ لابنِ شاسٍ من كُتُبِ المالِكِيَّةِ أيضاً.

وَمِنْها: ما فِي الفُرُوعِ لابنِ مُفْلِحٍ مِن كُتُبِ الحنابِلَة: وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ (السِّرّ الْمَصُون): رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ أَقْدَمُوا عَلَى تَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِالْكُفْرِ عَلَى مَنْ خَالَفَ إجْمَاعَ الأُمَّةِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ حَالُهُ تَاوِيلاً، وَأَقْبَحُ حَالاً مِنْ هَؤُلاءِ الْمُكَفِّرِينَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ كَفَّرُوا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لاَ يَعْرِفُ الْعَقِيدَةَ بِأَدِلَّتِهَا الْمُحَرَّرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ!، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا حَكَمَتْ بِإِسْلامِ أَجْلاَفِ الْعَرَبِ وَالْجُهَّالِ، انْتَهَى كَلامُهُ.

رابِعاً: وكَما أنَّ بَيانَ الحِقِّ واجِبٌ علَى العُلَماءِ رَحِمَهُمُ الله صِيانَةً للدينِ وحراسَةً للشرْعِ المُطَهَّر، فَلَيْسَ مِن شَانِ الراسِخِينَ فِي العِلْمِ كَذلكَ المُبادَرَةُ بِتَكْفِيرِ المُسْلِمِ لِقَوْلٍ أو فِعْلٍ يَحْتَمِلُ الكُفَرَ، بل الجادَّةُ المَطْرُوقَةُ المُعَوَّلُ عَلِيْها عِنْدَهُمْ دِقَّةُ النَّظَرِ والتَّفْصِيلِ، وإيرادُ ما يُحْتَمَلُ مِنَ الوُجُوهِ النافِيَةِ للكُفْرِ ولَو كانَتْ ضَعِيفَةً، كما قالَ ابنُ عابدينَ فِي عُقُودِ رَسْمِ المُفْتِي:

وكُلُّ قَوْلٍ جاءَ يَنْفِي الكُفْرا ... عَنْ مُسْلِمٍ ولَو ضِعِيفاً أَحْرَى

ولَذا تَرَى الأئِمّةَ رَحِمَهُمُ اللهُ يُكْثِرُونَ مِن قَوِلِهِمْ فِي جَوابِ هَذهِ المَسائلِ: إنْ كانَ المُرادُ كذَا فالأمْرُ كَذا، وإنْ كانَ كَذا فَهُوَ كذا، حَتَّى إِنَّهُمْ يُورِدُونَ علَى الأمْرِ الواحِدِ الوَجهَيْنِ والثلاثَةَ والأرْبَعَةَ وأكْثَرَ؛ كُلُّ ذلكَ حَيْطَةً مِنْهُمْ وحَذراً رَحِمَهُمُ الله، وهَذَا هُوَ مُوجَبُ العِلْمِ، بَلْ كُلَّما ازْدادَ العِلْمُ ازْدادَ العالِمُ احْتِياطاً وتَفْصِيلاَ، لا كَحالِ المُتَعالِمِ الغَمْر!؛ النُّتَفَةِ أَبِي شِبْرٍ!؛ شَيْخِ الأُذُنِ! كما يُسَمِّهِ إخْوانُنَا مِن أَهْلِ (بُخارَى)، وهُوَ الذي يَسْمَعُ اللفْظَةَ فَيْجْعَلُها غايَتَهُ ومُنْتَهَاه!؛ وسَمِيرَهُ وهِجِّيراه، فَتَرَاهُ وقَدْ قَعَدَ لأهْلِ الإسلامِ بالمِرْصادِ!؛ فلا يَقَعُ أحَدُهُمْ فِي خَطَأٍ أوْ يَتَعَثَّرُ فِي مِشْيَةٍ إِلاَّ وبَادَرَ إلَيْهِ وأَجْهَزَ علَيْهِ!!، ويَحْسَبُ أنَّ ذلكَ مِن الصلابَةِ فِي الدين!، وفَاتَهُ أَنَّها زَلَّةُ الحِمارِ فِي الطِّين!!، وما لِهَذا المُتَطاوِلِ عَلَى مَقامِ الإفْتاءِ فِي الشرْعِ؛ وقَدْ بَلَغَ مِن الجَهْلِ غايَةً لا يُفَرِّقُ مَعها بَينَ أَصْلٍ وفَرْع؟!، وَكَمْ مَنَّ اللهُ تعالَى علَى هَذا العُبَيْدِ وفَرَّقَ مِن أمْثالِ هَؤلاءِ جُمُوعاً، وكَمْ هَدَمَ لَهُمْ مِنْ حِصْنٍ حَسِبُوهُ مَنِيعاً، والحَمْدُ للهِ علَى فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وهَا أنا ذا أُورِدَ فِي هَذا المَقامِ مِنْ صَنِيعِ الأَئمَّةِ ما يَكُونُ – إنْ شاءَ الله - مِثالاً يُحْتَذى لِمَنْ شاءَ اللهُ لَهُ الهِدايَةَ والتُوفِيق:

فَمِنْ ذلكَ: ما رَأيتُهُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ فِي حَقِّ مَنْ سَبَّ دِينَ رَجُلٍ، فإنْ كانَ يُرِيدُ بِذلكَ دينَ الإسلامِ كَفَرَ، وإنْ كانَ يُرِيدُ بِهِ طِرِيقَتَهُ فِي المُعامَلَةِ مِن خِيانَةِ الأمانَةِ وإيذاءِ الجارِ والكَذِبِ ونَحْوِ ذلكَ فَلاَ يَكْفُر، وإنْ كانَ يُعَزَّرُ ويُنْهَى عَن اللفِظِ الذي ذكَر.

ومِنْه: ما لَو دَعا علَى رَجُلٍ من المُسْلِمِينَ بِأَنْ يَمُوتَ كافِراً، فإنْ أرادَ حَقِيقَةَ الكُفْرِ كَفَر، وَإنْ أَرَادَ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ فِي الشَّتْمِ؛ وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لَهُ؛ وإنّما مُرادُهُ الدعاءُ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ كما قالَ الخَرَشيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيل. وتَرَى نَحْوَهُ فِي مِنَحِ الجليل؛ وزاد: وَصَوَّبَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (عَلَى الأَصَحِّ) لأَنَّهُ قَصَدَ شِدَّةَ الضَّرَرِ بِالْخُلُودِ فِي سَقَرَ لاَ الرِّضَا بِالْكُفْرِ، وَمُقَابِلُ الأَصَحِّ فَتْوَى الْكَرْكِيِّ بِكُفْرِهِ لأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى.

رسائل الثغور · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الثغورص ١٧