بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها.
أما العقل: فقد اتفق العلماء على أنه شرط للتكليف، أما المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما فيه تعدٍّ على غيره أو إفساد، ولو فعل المأمور به لم يصح منه، لعدم قصد الامتثال.
وقد دل على ما ذكرنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، عن الصبي حتى يكبر، وفي رواية (حتى يحلم)، وفي رواية: (حتى يبلغ) وعن المجنون حتى يعقل "، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار".
قوله: (والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم).
أي أن ضمان الأشياء المتلفة تجب على المكلفين، وهم البالغون العقلاء وتجب على غيرهم كالصبيان والمجانين، وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة والأموال والحقوق فمن أتلف شيئاً من ذلك بغير حق فهو مضمون، سواء كان متعمداً أو جاهلاً أو ناسياً وسواء كان مكلف أو غير مكلف لأن هذا ليس من خطاب التكليف وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها، بمعنى أن الشرع وضع أسباباً تقتضي أحكاماً تترتب عليها، تحقيقاً للعدل في خلقه، ورعاية لمصالح العباد، فمتى وجد السبب كنصاب الزكاة، أو الإتلاف وجب الحكم.
قوله: (فمتى كان الإنسان بالغاً عاقلاً وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام): أي: كالزكاة فهي لا تجب على كل مكلف مالم يتصف بسببها، وهو ملك النصاب، وكذا الكفارات والنفقات. ونحوها.
قوله: (والناسي والجاهل غير مؤاخذين من جهة الإثم): أي: لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات والناسي والجاهل لا قصد لهما، فلا إثم عليهما، ودليل ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وقد استجاب الله دعاء المؤمنين حين قالوا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ فقال الله عز وجل: " قد فعلت ".
فلو نسي إنسان صلاة فلا إثم عليه بنسيانه، لكن يجب عليه قضاؤها إذا تذكرها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك".
وكذلك لو نسي الصائم فأكل أو شرب فلا إثم عليه، وليتم صومه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ".
قوله: (لا من جهة الضمان في المتلفات) أي: أن النسيان والجهل ليس عذراً فيما يتعلق بحقوق