تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بين ابن المبارك وفتاة يتيمة

النظرة العميقة لمعاني التعبد والإحسان

خالد بن عبدالرحمن الشايع

خرج عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله مرةً ـ إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابُه أمامه، وتخلَّف هو وراءهم.

فلما مرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خَرَجَت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، ثم لَفَّتْهُ، ثم أسرعت به إلى الدار، فَتَبِعَها، وجاء إليها فسألها عن أمرِها، وأخذِها الميتة؟!.

فقالت: أنا، وأخي هنا، ليس لنا شيءٌ إلا هذا الإزار، وليس لنا قُوتٌ إلا ما يُلقى على هذه المزبلة، وقد حلَّت لنا المَيْتَةُ منذ أيام، وكان أبونا له مال، فظُلِم، وأُخِذَ مالُه وقُتِل!!.

وأمام هذه الحال المؤثرة، كيف صنع ابن المبارك؟!.

لقد أمر بِرَدِّ أحمال القافلة، وقال لوكيله الذي معه المال: كم معك من النفقة؟.

قال: ألف دينار.

فقال ابن المبارك: عُدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا للرجوع إلى مَرْو (بلدته)، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ثم رجع.

أيها الفضلاء: إن هذه الفتاة لها نظائر كُثيراتٌ وكثيراتٌ اليوم في بلاد المسلمين، ممن يعيشون البؤس والجوع والتشرد. فالعالم الإسلامي يئن من وطأة مشكلات متراكمة جراء سوء الإدارة لما أودعه الله في بلدانهم من الكنوز والخيرات، وما يتبع ذلك من الفساد الذي يبغي به القوي على الضعيف، في ظل غياب الوازع الإيماني وانهيار الذمم إلا من رحم الله.

إن ثمة من الثروات الهائلة بأيدي المسلمين والتي تقدر (زكواتها) بالمليارات!! ما لا يزال بعيداً عن نفع الناس، حتى إن مجموع ما أُحصي مما يجب إخراجه من زكاة أموال تُجَّار العرب في عام واحدٍ: يزيد على ستةٍ وخمسين مليار دولار.

بين ابن المبارك وفتاة يتيمة · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بين ابن المبارك وفتاة يتيمةص ٤