يحيى بن يحيى
سافر إلى الشرق وسنه وقتئذ ثمان وعشرون سنة، وتلقى العلم على يد أستاذه مالك بن أنس الذي أملى عليه كتابه المعروف بالموطأ، وحدث أن كان يحيى ذات يوم في إحدى دروس مالك، ومعه عدد من الطلاب رفقائه، فقال قائل: «حضر الفيل!» فأسرعوا جميعا إلى رؤيته، ولم يتحرك يحيى من مكانه، فسأل مالك: «لم لم تذهب لتراه وليس في إسبانيا مثل هذا الحيوان؟» فأجابه يحيى: «لقد تركت بلادي لأراك وأتلقى عنك الدروس، ولم آت هنا لرؤية الفيل.» فسر مالكا هذا الجواب، وقال عنه إنه عاقل إسبانيا. ولما عاد يحيى إلى إسباينا، بذل كل ما في وسعه لنشر تعاليم مذهب سيده. ولئن كان يحيى هذا قد أصر بسبب تورعه ونسكه على رفض أي منصب من المناصب العامة؛ فقد عظم تأثيره رغم ذلك، وذاع صيته إلى حد أن وصل - كما يقول ابن حزم - إلى أنه كان لا يولى قاض في الأندلس إلا بعد أن يؤخذ رأي يحيى فيه، وإلا بعد أن يبين من يفضله على سواه من الناس.
3
وعلى ذلك فقد أصبح مذهب مالك يلي الحديث مباشرة في اتخاذه شرعا للبلاد. قال عالم من كتاب القرن العاشر: «لقد كان الإسبانيون لا يعرفون إلا القرآن والموطأ، فكانوا إذا وجدوا تابعا من أتباع مذهب أبي حنيفة أو الشافعي طردوه من إسبانيا، والويل لمن يصادفونه من المعتزلة أو الشيعة، أو من أية طائفة تنتمي إلى مذهب ما، فإنهم كثيرا ما كانوا يخمدون أنفاسه.
4
وقد كان علماء الدين الإسلامي متغطرسين مفرطين في التعصب الأعمى، والطمع في إحراز القوة، فلم يشاءوا أن يرأسهم أحد في المملكة، فأما في زمن هشام (788-796) - خلف عبد الرحمن - فقد رأوه أميرا وفق ما يتمنون، إذ كانت تقواه وورعه مما لا يدع لهم مجالا للكلام، وكان على شاكلتهم فاهتم بشئونهم. وأما الحكم (896-822) فقد كان أقل منه مراعاة لهم. نعم إنه أكرم رجال الدين وبجلهم، ولكنه أراهم في الوقت نفسه أنه لن يسمح لهم بالتدخل في الشئون السياسية مطلقا؛ فنقموا عليه - وعلى رأسهم يحيى بن يحيى الشرس - وأجابوه بالتهديد والإهانات، واستثاروا جمهور قرطبة، ولا سيما الصابئين - وكانوا في الجزء الجنوبي من المدينة وهو المسمى بالربض - ليقوموا في وجه ذلك الظالم وجنوده السفهاء، وفي ذات يوم من أيام رمضان (198ه) (مايو سنة 814) وجد الحكم نفسه وقد أقصيت عنه حاشيته وحاصره الغوغاء الصاخبون في قصره، ولكن شجاعته لم تفارقه، وقد أنجاه من مأزقه الخطر الذي كان فيه، برودته وإسراع جيشه المدرب لإنقاذه. وكان نصيب تلك الضاحية الثائرة أن دكها دكا، ونفى من سلم من القتل من أهلها إلى بلاد بعيدة، وبلغ عددهم نحو ستين ألف نسمة، والحق أن المجرمين الأصليين لم يقعوا تحت طائلة العقاب.
ثم كف الحكم عن اضطهاد رجال الدين الحانقين الذين شعروا بأنهم يستطيعون أن يصلوا منه باللين إلى ما أخفقوا في الحصول عليه بالقوة، وإذ كان أغلبهم من العرب أو البرابرة، فقد بثوا الدعوة الشديدة في الناس لاحترام الحكم، فأعاد إليهم قوتهم في الحال.
وفي زمن عبد الرحمن الثاني (822-852) أدار دفة السياسة الملية يحيى بن يحيى زعيم الثورة بنفسه، وتولى توزيع مناصب القضاء كما أراد.» ا.ه •••
هذا هو الجزء الذي تناول فيه الأستاذ نيكلسون الكلام عن الإسلام في إسبانيا، ولما كنا لا نستطيع مناقشته في كل ما قاله، لكثرة الأغراض الأخرى التي نريد الكلام عنها، فإنا نكتفي بمناقشة أهم تلك النقط الآن، وحسبنا أن نلقي بنظرة سريعة على ما قاله:
فأما أسلوبه فهو دائما لا يتغير؛ أسلوب موجز حافل بالمعاني كما رأيتم، وكما ترون في كل ما ننقله لكم عنه، وأما النتائج التي نخرج بها من هذه القطعة فإننا نسوقها ممزوجة بآراء غيره من المؤرخين، مع إبداء ملاحظاتنا على أهمها إيجازا للكلام، فنقول: يتبين لنا مما مر ما يلي: