وهكذا ألم بطائفة من الحوادث والأسباب، ومزج الرواية بالدعابة، والجد بالفكاهة والأدب، والفلسفة بالنقد الصائب، والسخرية الدقيقة. •••
وليس هذا الخيال، أو تلك الفكرة الفنية التي انتظمت الكتاب فأفردته من بين الآثار الأدبية التي كتب لها الخلود، مما يستغرب من مثل أبي العلاء ذي العقل الراجح، والبصيرة النفاذة، والخيال الواسع.
نعم وليس تمثل البعث والنشور، ونعيم الفردوس، وتعذيب الأشقياء في الجحيم، من الأفكار الطارئة التي سببتها رسالة ابن القارح أو نبهتها فيه، ولكنها فكرة متأصلة في قرارة نفسه، نبتت ونمت وتوشجت أصولها ونضجت ثمارها في قلبه - نحو نصف قرن - فاختلطت بلحمه، وسيطت بدمه، وهيمنت على مشاعره منذ حداثة نشأته - حتى أصبحت - من أهم مصادر الفلسفة العلائية.
ولعل أول محاولة رأيناها له - في اكتناه البعث والتردد في قبول الروايات والأخبار المتناقلة - قوله في مستهل حياته الأدبية - وهو في الرابعة عشرة من عمره في نونيته التي رثى بها أباه - إذ يقول فيها:
فيا ليت شعري! هل يخف وقاره
إذا صار أحد في القيامة كالعهن؟
وهل يرد الحوض الروي مبادرا
مع الناس أم يأتي الزحام فيستأني؟
15
وإنك لتلمح الشك يساور نفسه التي تتطلع إلى اليقين؛ فلا تظفر به وتتلمس الحقيقة فلا تصل إليها، فترجع يائسة حائرة بعد أن وجدت كل معين ناضبا، وكل ماء سرابا، وإنك لتجد حيرة من قتل الفكرة بحثا، وقلبها على كل وجه من وجوهها وناحية من نواحيها فلم يظفر بطائل، وزاد تفاقم الشك في نفسه الفتية، فأصبح يتلمس ما يسد به ذلك الفراغ - الذي كان يملؤه اليقين - فلا يجده. كل ذلك تتمثله واضحا في قوله من تلك القصيدة:
جهلنا فلم نعلم - على الحرص - ما الذي
يراد بنا، والعلم لله ذي المن
إذا غيب المرء استسر حديثه
ولم تخبر الأفكار عنه بما يغني
تضل العقول الهبرزيات رشدها
ولم يسلم الرأي القوي من الأفن
طلبت يقينا من جهينة عنهم
ولم تخبريني، يا جهين سوى الظن
فإن تعهديني لا أزال مسائلا
فإني لم أعط الصحيح، فأستغني
وهكذا ظل أمر البعث، والنشور، والجنة، والنار من أكبر شواغل هذا العقل الممحص الكبير، فاكتظت كتاباته وأشعاره بالإشارة إلى ذلك، ولم تكد تمر به فرصة دون أن يشير إليه إشارة قريبة أو بعيدة، واضحة أو خفية، هازئة أو جادة، ساخرة أو مقررة.
16
ولم يكن يرى حلا لهذه المشكلة المستعصية الحل، إلا وسيلة واحدة مستحيلة التحقيق، بعيدة الحدوث، ولكنها أمنية - على كل حال - من الأماني التي لا بأس من تحدث النفس بها - وإن كانت جد واثقة من قلة غنائها - تلك الوسيلة هي استفسار من ماتوا عما لقوه من عذاب أو نعيم - في عالمهم الثاني - ليضع بذلك آخر حد لتضارب الآراء وتناقض الأخبار في هذه المشكلة المستحيلة الحل، ثم لجأ إلى الأماني - وإن لم تسعفه الأماني - فود لو يتاح له الظفر بسؤال أحد الهالكين واستفساره عما لقيه - بعد الموت - لتنتهي بإجابته شكوكه وحيرته انتهاء حاسما، فقال:
لو جاء من أهل البلى مخبر
سألت عن قوم وأرخت
هل فاز بالجنة عمالها؟
وهل ثوى في النار نوبخت؟
وقال:
أسكن الثرى! لا تبعثون رسالة
إلينا! ولستم سامعي كلام الرسل!
ولم تسل نفسي عنكم باختيارها
ولكن طول الدهر يذهل أو يسلي!
وقال:
داران أما هذه فمسيئة
جدا، ولا خبر لتلك الدار
ما جاء منها وافد متسرع
فنقول للنبأ الجديد: «بدار!»
وقال:
فهل قام - من قبره - ميت
يعيب على النفس إخفارها
يقول: «جنبنا ذنوبا لنا
وجدنا المهيمن غفارها»
إلى آخر تلك الأبيات التي لا حاجة بنا إلى استقصائها.
ولكنه بعد أن سئم هذه التمنيات التي رددها كثيرا - بلا طائل - لجأ إلى نوع آخر من الأماني المجدية - وهو الخيال - وما أوسع عالمه إذا ضاق بالإنسان عالم الحقائق!
وانتهز لذلك مناسبتين:
أولاهما: