تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنثني من غير جدوى وما

فهمت شيئا بين تلك السطور! •••

لكن أمي إذ رأت حيرتي

قالت: إذا ما رمت هذا المرام

فهاك مفتاحا لأسراره

هاك كتابا فيه سر الكلام

فيه حروف الهجاء •••

تبدأ بالأحرف فيه ولا

تلبث حتى تقرأ المفردات

وتقرأ الأسطر من بعدها

فيصبح الصعب من الهينات •••

وبعد جد واجتهاد ترى

أنك تتلو - مثلنا - في الكتاب

تقرأ ما يشجيك من قصة

ومن حديث معجب مستطاب

في أي وقت تشاء!

| رسالة الغفران

(1) لماذا كتبها أبو العلاء

كان أبو الفرج الزهرجي - كاتب «نصر الدولة» - قد كتب إلى أبي العلاء رسالة استودعها ابن القارح:

1

وسأله أن يوصلها إلى أبي العلاء.

قال ابن القارح

2

فسرق عديلي رحلا - الرسالة فيه - فكتبت هذه الرسالة

3

أشكو أموري وما لقيت في سفري من أقيوام يدعون العلم والأدب

وقد ملأ ابن القارح رسالته بشكوى الناس والطعن على الزنادقة والملحدين، وجره ذلك إلى الاستطراد إلى مناسبات شتى، فلما قرأ «أبو العلاء» رسالة ابن القارح، بعث إليه برسالة الغفران ردا على رسالته. وقد سلك فيها منهجا عجيبا لم يسلكه - فيما نعلم - كاتب قبله؛ فبدأها بالثناء على ابن القارح، والإعجاب بغيرته الدينية، ثم قال: «وفي قدرة ربنا - جلت عظمته - أن يجعل كل حرف منها شبح نور لا يمتزج بمقال الزور، ولعله - سبحانه - قد نصب لسطورها المنجية من اللهب معاريج

4

من الفضة أو الذهب، تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة من السماء. بدليل الآية:

إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه .

وهذه الكلمة الطيبة كأنها المعنية بقوله:

ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .

وفي تلك السطور كلم كثير، كله عند البارئ - تقدس- أثير، وقد غرس لمولاي الشيخ الجليل إن شاء الله - بذلك الثناء - شجر في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تأخذ ما بين المشرق إلى المغرب بظل غاط،

5

والولدان المخلدون في ظلال تلك الشجر قيام وقعود، يقولون - والله القادر على كل شيء عزيز: «نحن وهذه الشجر صلة من الله لعلي بن منصور،

6

نخبأ له إلى نفخ الصور.» وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج

7

من ماء الحيوان،

8

والكوثر يمدها في كل أوان، من شرب منها النغبة

9

فلا موت، قد أمن هنالك الفوت

10

وسعد من اللبن متخرقات لا تغير بأن تطول الأوقات، وجعافر

11

من الرحيق

12

المختوم.

وبعد أن أبدع «المعري» في وصف الفردوس ما شاء أن يبدع، وافتن في وصفها ووصف من فيه من السعداء تمثل صديقه «ابن القارح» - وقد اصطفى له ندامى من أدباء الفردوس، ثم يخطر له أن يتنزه، ولا يكاد يفعل حتى يقابله الأعشى، ثم يقابله غيره من الشعراء، وبذلك يخلق أبا العلاء جوا صالحا لتلك الكوميديا الرائعة - رسالة الغفران - ويجعل مسرح هذه الكوميديا الجنة والنار، فإذا انتهى من هذه الكوميديا؛ عاد إلى الرد على رسالة ابن القارح.

ولعل هذه الرسالة هي أمتع ما كتبه

13

أبو العلاء، وهي تعد بحق أنفس أثر له بعد كتاب اللزوميات. (2) لماذا أطلق عليها اسم الغفران؟

14

وإنما أطلق عليها اسم «الغفران» لأن الفكرة الرئيسية التي دفعته إلى إنشائها - وقت إجابته على رسالة ابن القارح - هي مناقشة من فازوا بالمغفرة ومن حرموها في الدار الآخرة، ومما يسترعي انتباهك فيها سؤاله - وكثيرا ما كان يوجهه إلى الفريق الناجي: «بم غفر لك؟» فيجيبه كل واحد منهم بما نجاه من العذاب، ويشرح له السبب في دخوله الفردوس، ويصف له كيف يتمتع به، وكيف ينعم ببدائعه.

وسؤاله الذي كان يوجهه إلى الفريق الثاني - وهو من حقت عليه اللعنة وكتب عليه الشقاء: «لم لم يغفر لك قولك كذا؟» فيجيبه أكثرهم عن السبب، ويشرحون له ما يقاسون من ألم وعذاب، ويصمت بعضهم لاشتغاله بما هو فيه من نكال وغصص.

الوعظ القصصي · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٥٠