ولكن ما الذي سبب له الدمار وأدى به إلى هذه النتيجة؟ يعلل الدكتور سبب حدوث ذلك بأن العوامل التي انتهت بهذا الكوكب هي نفسها العوامل الهدامة الدائبة على إبادة كل فرد من أفراد هذه المجموعة الشمسية!
لا جرم أن الإنسان يعلم أن كل جسم - مهما بلغت صلابته - تمدده الحرارة وتقبضه البرودة، وقد كانت الأرض - كما كانت الكواكب الأخرى - نارا متأججة، ثم بردت تلك الكتل النارية الحامية على مر العصور والأزمان، فانقبضت شيئا فشيئا بسبب ما اعتورها من البرودة، وبدهي أن السطح يبرد أسرع من الجزء الداخلي، ومن هنا تنقبض تلك القشرة الباردة المتقلصة انقباضا شديدا على الجزء الداخلي من الأرض، وينجم من هذا الانقباض الشديد ضغط شديد في الداخل، وكلما زاد عمر الأرض - أو الكوكب - زاد حجم السطح البارد، ومن ثم زاد ضغط سطحه على أوسطه حتى يبلغ الضغط أقصاه!
ولو أن مادة السطح الصلب مادة مرنة - كالمطاط مثلا - لتمددت وامتطت، فساعد ذلك على مطاوعة الجزء الداخلي وتلافي الضغط عليه، ولكن الأمر على عكس ذلك، وهذا هو السبب في تشقق السطح، ولا يزال الزمن يكر؛ فيقدم عمر الكوكب ويبرد سطحه، فيضغط على وسطه فيتشقق، ثم تزداد الشقوق على توالي الدهور حتى تصبح هوات عميقة، ثم تزداد هذه الهوات اتساعا وعمقا حتى تصل إلى الأعماق، وهنا يتصدع الكوكب ويتحطم كله إلى الأبد! (3) كيف انفجر الكوكب؟
وقد هدتنا التجاريب الفلكية والدراسات الدقيقة للأفلاك والكواكب إلى الطريقة التي انفجر بها ذلك الكوكب البائد؛ فقد بدأ تحطمه بانقسامه إلى أربعة أقسام كبيرة، ثم اعتور كل جزء من هذه لأجزاء الأربعة مع اعتور الكوكب الأصلي من قبل، ومر بكل تلك الأطوار التي أسلفناها، وحدث لها ما حدث لابنها الأول من الدمار، وربما كان تحطيمها على نفس الطريقة السابقة!
قال الدكتور «ألتر»:
ولو أن الناس عاشوا قبل مصرع هذا الكوكب، وشاهدوا انفجاره في ذلك الوقت لما سمعوا له فرقعة، ولا أحسوا له صوتا، ذلك أن الصوت يحمله الهواء! وليس في ذلك الفضاء هواء يحمل صوت انفجاره إلينا، وكل ما يشاهده الناس من هذا الانفجار الهائل ضوء لامع منه، ومن المكن جدا أن تصبح أجزاء هذا الكوكب «نجيمات» صغيرة في أجواز الفضاء.
ومما يجدر ذكره أن فرقعة ذلك الكوكب لم تحدث تغيرا في سير الكواكب الأخرى، ولا في العلاقة التي بين كل منها والآخر، فإن الجاذبية التي كانت في الكوكب البائد هي - على عظمتها - غاية في الحقارة والضؤولة بالقياس إلى المجموعة الشمسية.
وإذا كان هذا الكوكب بعيدا عن الشمس بمقدار ثلاثة أمثال بعد الأرض عنها، وكان يصل إليه من حرارتها مقدار يعدل ثمن ما يصل إلينا، فإن أكبر الشك أن مظاهر الحياة لم يكن لها وجود فيه، على أنها لو وجدت لما بقي لها أقل أثر بعد تحطمه وانفجاره. (4) آخرة القمر
ثم يقول الدكتور «ألتر»:
وسيكون القمر ثاني كوكب يدركه الفناء - بعد ذلك الكوكب الذي أسلفنا ذكره - في المجموعة الشمسية.
والقمر - بالرغم من أنه ليس أقدم من أمه «الأرض» - سيلقى حتفه قبلها، والسبب في ذلك أنه أصغر منها حجما؛ وهو لهذا أسرع منها إلى البرودة، سرعة تتناسب مع صغر حجمه عنها.
قال الدكتور: وإن الإنسان ليستطيع الآن أن يشاهد من خلال «التليسكوب» فجوات واسعة بادية على سطح القمر. (5) آخرة المريخ ...!
أما انفجار المريخ فسيسبق انفجار الأرض، وإنما كانت آخرة هذا الكوكب قبل آخرة عالمنا الأرضي؛ لبعده عن الشمس، وما ينشأ عن هذا البعد من قلة النصيب الذي يناله من حرارتها، وليست هذه القنوات البادية على سطح المريخ - كما يظن الدكتور - إلا شقوقا وصدوعا عظيمة حدثت فوق سطحه وفق هذه النظرية المقررة. (6) آخرة العالم الأرضي ...!
أما الأرض فلا خوف عليها، ولن تبيد قبل أن يمر عليها ملايين من السنين. قال الدكتور: «وإن سطح الأرض - كما نراه الآن - على أحسن ما يرام، وحرارتها الداخلية بالغة من الاتقاد والشدة أوفى الغايات، وأكفلها بالصون من أن تباد مدة عصور طويلة وآباد عديدة، وليست الزلازل في رأيي علامة منذرة بقرب فناء الأرض؛ فهي صدوع محلية بسيطة لا خطر لها، وليس كذلك ما نرويه من انصداع الأرض، فإن تلك التي نتحدث عنها هي انشقاقات متغلغلة في أعماق الأرض، وكم من تصدعات يصل عمقها ألف ميل لا يكون وجودها محتما وملزما إبادة هذا الكوكب! وغاية ما تدل عليه أمثال هذه الشروخ أن تكون نذيرا من نذر الرعب لمن تحدث في زمنهم من الناس، على أنها - في حقيقة أمرها - ليست إلا رسلا تنبئ الناس بما يتهدد الأرض من بوار بعد ملايين قليلة من السنين!» (7) آخرة الشمس