تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس أمامه إلا أن يلجأ إلى طريق المسالمة - وقد فعل - فأرسل إليها هدايا فاخرة، ودعاها إلى محادثته، وطال بينهما الحوار.

34

ولما عادت «سجاح» إلى قومها سألوها عن رأيها في «مسيلمة» فقالت لهم: «لقد رأيته نبيا حقا فتزوجت منه!»

فسألها التميميون: «وهل أهدى إلينا شيئا من مهر الزواج؟»

فقالت: «لا.» فقالوا لها: «عار علينا أن نزوج نبيتنا بلا مهر! ولن نقبل ذلك بحال ما!»

فأرسلت إليه بذلك - وكان مسيلمة خائفا متحصنا - فلما جاءه الرسول لم يأذن له حتى عرف الغرض الذي جاء من أجله، فاطمأن إليه وقال له: «عد إلى قومك فأخبرهم أن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد رفع عن التميميين - من الصلوات الخمس - صلاتي الصبح والعشاء».

ولقد فرح التميميون بذلك، وساروا عليه حتى بعد أن عادوا إلى الإسلام من جديد. •••

ومن ثم أن هؤلاء التائبين ليس لهم عقيدة جدية يدافعون عنها، فلا غرو إذا قهرهم رجل كأبي بكر وثيق الإيمان قوي الإرادة صلب العزيمة، لا يعرف هوادة - في إرغام أنوفهم - ولا رحمة!

ولو شاء أبو بكر أن يهادنهم لتنازل لهم عن قليل من مطالبه، فكسب بذلك مساعدة كثير من القبائل - أو ضمن حيادهم على الأقل - فقد وعدوه بالمواظبة على إقامة الصلاة المفروضة عليهم؛ على شريطة أن يعفيهم من إيتاء الزكاة، ونصحه أعيان المسلمين أن يقبل ذلك منهم، فرفض رأيهم بإباء شديد، وقال لهم:

35 «إن الإسلام قانون واحد لا يتجزأ، وليس لأحد أن يأخذ ببعضه ويرفض البعض الآخر».

وقد كان هذا الإصرار الحازم، وذلك الحقد الشديد على أهل الردة سببا في منحه قوة أكبر مما نتصور. •••

ولم يكد ينتهي من إخضاع القبائل المجاورة له حتى بدأ يهاجمه «طليحة» الذي كان بطلا من قبل، وقد جاء يدعي النبوة كغيره ثم يجبن عن دخول المعركة؛ فيرقب الحرب - وهو بعيد عن الميدان - مدثرا في عباءته كأنما يؤمل أن ينزل وحي من السماء، أو تحدث معجزة خارقة، وقد ترقب ذلك زمنا طويلا ثم وقعت المعجزة؛ إذ بدأت تنهزم قبيلته أشنع انهزام، وحينئذ صاح في جنده: «احتذوا حذوي إن استطعتم.» ثم امتطى جواده، وأطلق له العنان، وأمعن في فراره. •••

وكانت تلك المعركة التي اصطلاها المسلمون، معركة مروعة هائلة، وفي الحق أن الدماء التي أريقت في هذه الحرب كانت أكثر مما أريق في تلك الحروب الطاحنة التي نشبت فيما بعد بين المسلمين والفرس، ثم بين المسلمين، والإمبراطورية الرومانية، وقد اقترف العرب من الفظائع في هذه الحرب «حرب الردة» شنعا لم يعرفها الإسلام قط، فكانوا إذا انهزم العدو تعقبوه ونكلوا به؛ لأن الردة جزاؤها القتل، لا هوادة في ذلك ولا رحمة، وقد بعث أبو بكر إلى خالد يأمره بقوله: «عليك بإبادة الكفرة بالحديد والنار، ولا تأخذنك فيهم رحمة قط!» •••

ولقد انهزم أصحاب مسيلمة - وكان عددهم زهاء عشرة آلاف مقاتل - ومزقهم المسلمون شر ممزق، وغرقت بلاد العرب كلها في الدماء!

ولكن الإسلام قد خرج من تلك المعارك - الناشبة في كل مكان - مؤيدا منصورا، ودان به العرب بعد ذلك - طوعا أو كرها - فقد أقنعهم خذلانهم بوجوب الاعتراف بالدين الإسلامي؛ إن لم يكن اعتراف المستيقن المؤمن، فاعتراف الخائف الذي يعرف قوة هذا الدين العظيمة التي لا تجدي معها أية مقاومة. (13) بعد النصر

ولم يكد يتم انتصار أبي بكر حتى وجه هؤلاء البدو الظامئين إلى الدماء، إلي مهاجمة فارس والإمبراطورية الرومانية، وهذا العمل عند من ينظر إلى ظواهر الأمور وحدها جرأة وتهور، ولكنه - على الحقيقة - رزانة وتعقل.

وإنما سار أبو بكر في هذا على خطة النبي التي كان يتبعها، وهي أن يشغل العرب عن التفكير في خضوعهم، ولا يدع لهم وقتا كافيا لذلك، وقد رأى أن خير ما يربطهم بالإسلام لا يكون إلا عن طريق الفتح والانتصارات الحربية وما يجره ذلك من الغنائم. •••

الوعظ القصصي · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٣٥