وإذن فقد تم انتخاب الخليفة - خليفة النبي - وسط هذه الفوضى الشاملة، كما اعترف بهذه الحقيقة «عمر» نفسه على ملأ من الناس في المسجد المدني فيما بعد. وقد كسب المكيون بهذا الفوز أمرين: «زعامة العرب، وحسن اختيار الخليفة».
فقد ولوا أمورهم رجلا كان أخلص صديق لنبيهم، ولو ترك أمر اختيار الخليفة إلى الرسول فقد لا يختار سواه؛ ذلك أنه جمع - إلى حبه الرسول - متانة الإيمان وقوة اليقين وصدق العزيمة في إعزاز الإسلام ونصرته.
وبهذه الصفات نجح أبو بكر في التغلب على المصاعب والعقبات التي كانت تكتنفه.
وفي الحق أن الوقت كان عصيبا، وكانت الظروف غاية في الحرج، فقد كان موت النبي - الذي كانت تترقبه العرب منذ زمن طويل بفارغ الصبر - مؤذنا بالثورة في كل مكان، ولقد كنت ترى الثائرين - في حيثما ذهبت - رافعين علم الثورة والتمرد، وقد رجحت كفتهم أيما رجحان حتى لقد طردوا ولاتهم من بلادهم، فلم يجد هؤلاء أمامهم ملجأ إلا المدينة؛ فتقاطروا عليها من كل فج يحتمون فيها من أذاهم.
وكان لا يمر يوم حتى يفد على المدينة بعض الولاة، والعمال المطرودين، وأعدت القبائل المجاورة للمدينة عدتها لحصارها.
فكيف يقاومهم «أبو بكر» وليس لديه جيش يحاربهم به بعد أن أرسل جيشه إلى سوريا ليفتحها؛ تنفيذا لأمر النبي - برغم نصيحة المسلمين الذين رأوا خطورة الحال، ولقد ألحوا عليه أن يعدل عن تنفيذ فكرة الفتح حينئذ، فقال لهم: «لن أخالف ما أمر به النبي ولو أصبحت المدينة نفسها نهبا للثائرين والمتمردين، ولا بد لي من تحقيق مشيئته!»
ومن ثم ترى الخطر العظيم باديا، على أنه - على الحقيقة - خطر أقل مما تدل عليه ظواهره، فإن قوة الخصم الحقيقية لا تقاس بما لديه من عدة ورجال، بل بما عنده من قوة معنوية، وبما يصبو إلى تحقيقه من غاية سامية يتطلع إليها ويخوض غمار الحرب من أجلها، باذلا في سبيلها النفس والنفيس.
فما هي الغاية التي يسعى إليها الثائرون؟ وأي حافز يدفعهم إلى إضرام هذه الحرب؟
أهو إيمان وثيق متوشج في أعماق قلوبهم كإيمانهم القديم الذي كانوا عليه قبل البعثة؟ لو كان ذلك لما كان ثمة شك في انتصارهم الحاسم!
ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فإنهم لا يحاربون الآن لينصروا دينهم القديم ويؤيدوه؛ بل هم يثورون على دينهم الجديد؛ لأنهم لا يطيقون احتماله.
وليس هذا بالسبب القوي الذي يلهب حماستهم ويحفزهم إلى الإتيان بجلائل الأعمال، ولا هو بالسبب الذي يخلق البطولة والأبطال، فقد كان رؤساء القبائل المتمردة أنفسهم شاعرين كل الشعور بضعف قوتهم المعنوية؛ فلجأ بعضهم إلى فكرة سخيفة حسبوا أنها تعيد إليهم تلك القوة، فادعوا النبوة! وخيل إليهم أن محمدا لم ينجح إلا بهذه الفكرة؛ فأرادوا تقليده.
ولكنهم نسوا أمرا واحدا - هو سر نجاحه في بث دعوته - ذلك أنه كان مؤمنا بما يدعو إليه إيمان المستيقن الجازم، وهذا هو الذي يعوزهم وبغيره لا يتم نجاح.
وكانت تلك الثورة الهائلة وتلك الحرب الشعواء - على ما أريق فيهما من دماء غزيرة إذا قورنت بما أتاه المسلمون في غزواتهم التي عز بها الإسلام - ظاهرة سخيفة مضحكة، يتمثل فيها الإنسان - عن غير قصد - كيف قلبوا تمثيل هذه الرواية الجدية التي مثلها النبي وأصحابه مهزلة وعبثا!
ألا ترى إلى مسيلمة الذي مثل دور النبي في اليمامة؟
ألا ترى إلى ذلك الدجال السوقي التعس، ذلك المشعوذ السمج، الذي لا يصلح لغير التدجيل وإدخال بيضة في زجاجة ضيقة الفوهة، ألا ترى إليه ينشئ قرآنا سخيفا يقلد به محمدا، ثم يرخص لأتباعه في شرب الخمور أنى شاءوا، ولا يكاد ينشر دعوته حتى يصادفه سوء الحظ فتحاصره «سجاح» وتنازعه النبوة. •••
أما «سجاح» هذه فقد كانت مسيحية نشأت في «بلاد النهرين»، وجاءت تبث الدعوة لنفسها - على رأس جيش عظيم - فماذا يصنع مسيلمة؟