تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا إلى أن يقول:

والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم ...» ثم يقول: «ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتبادل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله؛ إن الله شديد العقاب! حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله!

الجملة الأخيرة

قالوا: «ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله.» حتى قبض، وهكذا انتهت حياة هذا البطل، وختم تاريخه الحافل بجلائل الأعمال! (3) أهم الأسباب التي أدت إلى مصرعه

يا معاوية! إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو وما تطلب؛ إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم إلا قولك: «قتل إمامكم مظلوما، فنحن نطلب بدمه.» فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب! ورب متمني أمر وطالبه، الله - عز وجل - يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمني أمنيته، وفوق أمنيته. ووالله ما لك في واحدة منها خير!

لئن أخطأت ما ترجو، إنك لشر العرب حالا في ذلك، ولئن أصبت ما تمنى، لا تصبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله!

ابن ربعي التميمي (3-1) دم عثمان

أنطل

5

دم عثمان؟ لا والله، لا أفعل ذلك أبدا؟

بهذه الجملة وأشباهها يرد معاوية على كل من ينشده العدل ويطلب إليه «أن يعدل عن فتنته التي أثارها، ويتقي الله في تفرق جماعة هذه الأمة وسفك دمائها بينها.»

وبهذا السلاح الماضي الأخاذ بالأبصار يستميل الناس إليه ويؤلب جموعهم ضد «علي» وأشياع «علي» وأنصاره، كأنما لا هم له من الدنيا إلا الثأر لعثمان وحده، ولا غرض له في خلافة أو ملك!

وبهذا المعول القوي يهدم كل دعوة للتوفيق، ويدك كل صرح للوئام من أساسه، فتذهب جهود المخلصين والراغبين في حقن دماء المسلمين سدى، ويسد الطريق سدا على كل خطيب بليغ، ويرد به على كل حجة، بالغة ما بلغت من الأصالة والصدق!

فإذا قال له وفد «علي»: «يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة وإن الله - عز وجل - محاسبك بعملك وجازيك بما قدمت يداك، وإني أنشدك الله عز وجل أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها.»

أسرع معاوية فقطع عليه الكلام، وقال له: «هل أوصيت بذلك صاحبك؟»

فإذا أجابه: «إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر، في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة من الرسول

صلى الله عليه وسلم !» قال له معاوية: «فيقول ماذا؟» فإذا أجابه بقوله: «يأمرك بتقوى الله عز وجل، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك.»

ارتبك معاوية، ولم يبق أمامه ما يبرر به إحداث هذه الفتنة الشعواء التي أوقد نارها، وأشعل ضرامها في سبيل الخلافة، وضحى من أجلها بالألوف من أرواح المسلمين البريئة، وثمة يقذف بهذا الحجر في وجه ناصحه فيقول له: «ونطل دم عثمان رضي الله عنه؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا.»

وبذلك يبرر سلوكه وتمرده على الخليفة «علي» ويتظاهر بالغيرة على دم عثمان أن يطل، ويذهب دون أن يثأر له، وقد كان - بالأمس - يتباطأ عن حقنه، وصون حياة صاحبه وهو يستنجده فيصم أذنيه عن سماع دعوته، ولا يخف لنجدته، كما يخف الآن للانتقام ممن يزعمهم قاتليه!

فإذا توادع القوم - يوم صفين - واختلفت الرسل فيما بين علي ومعاوية كان رده على الوفود شبيها برده على سابقيهم من قبل.

6

فباسم المطالبة بدم عثمان أهدر دماء المسلمين، وباسم المطالبة بدم عثمان اندلعت نيران الفتنة فالتهمت جمهرة من أبطال المسلمين وقادة الرأي فيهم، وباسم المطالبة بدم عثمان ستر معاوية وابن العاص وأشياعهما أطماعهم وأغراضهم السياسية وألبوا الجموع الزاخرة على «علي بن أبي طالب». (3-2) الدسائس

مصارع الخلفاء · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٩