تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذا الخبر أضراب وأشباه في سيرته الحافلة، وقد كان من الطبيعي جدا أن تنتهي حياة هذا العادل الساهر على مصالح رعيته بسلام، كما انتهت حياة أبى بكر - رضي الله عنهما - ومهما يجهد الباحث نفسه في تلمس أسباب وجيهة يعلل بها مقتله، فلن يظفر من ذلك بشيء ذي خطر؛ لقد عدل عمر، والعدل أساس الملك، وقام في الناس مثالا عاليا للشرف والنزاهة والبعد عن التحيز، وتضحية كل ما أوتي من عزم وقوة وصحة ووقت ومال في سبيل النفع والخير العام، فلم يكن يدور بخلد إنسان عاقل أن يغتال حياة هذا الخليفة النزيه العادل المحسن، إلا إذا جاز في العقل أن يفكر الساري في تحطيم مصباحه الذي ينير له الطريق، أو يقدم القاطن على هدم داره وتخريب بيته بيده! لذلك نستبعد أن تكون هناك مؤامرة مدبرة ضده، وإن كنا لا نجزم باستحالة حدوثها.

وأوجز ما نعلل به موته أن نزوة طائشة - قامت برأس غلام مأفون - قضت على حياة هذا المصلح الكبير! (4) كيف كان مصرعه؟

قالوا: خرج «عمر بن الخطاب» يوما يطوف في السوق، فلقيه «أبو لؤلؤة» - غلام «المغيرة بن شعبة» - فقال: «يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا كثيرا.»

قال: «وكم خراجك؟» قال: «درهمان في كل يوم!» قال: «وإيش صناعتك؟» قال: «نجار، نقاش، حداد!» قال: «فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول: «لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح فعلت؟!» قال: «نعم.» قال: «فاعمل لي رحا.» •••

وكأنما نبهت في نفسه هذه الجملة خاطرا شريرا كان غائبا عنه وحركت فيها نزوة من نزوات الإجرام، فقال موريا: «إن عشت لأعملن لك رحا يتحدث بها من في المشرق والمغرب.»

ثم انصرف عنه، فقال عمر: «لقد توعدني العبد!»

قالوا بعد كلام لا يتسع هذا المقام إلى تحقيقه ومناقشته: «وقد مر على هذا الوعد ثلاثة أيام.» (5) يوم المصرع!

جسد لفف في أكفانه

رحمة الله على ذاك الجسد

عاتكة

وفي صبيحة اليوم التالي خرج عمر إلى صلاة الصبح، وكان يوكل بالرجال صفوفا يسوونها، فإذا استوت جاء هو فكبر.

ودخل «أبو لؤلؤة» في الناس؛ في يده خنجر، له رأسان، نصابه في وسطه فضرب «عمر» ست ضربات، إحداهن تحت سرته. وهي التي قتلته، وقتل معه «كليب بن أبي البكير الليثي» - وكان خلفه - فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال: «أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟» قالوا: «نعم هو ذا.» قال: «فتقدم فصل بالناس.» وعمر طريح! ثم احتمل فأدخل داره، فنادى عبد الله بن عمر، وقال: «اخرج فانظر من قتلني؟» قال: «يا أمير المؤمنين، قتلك «أبو لؤلؤة» غلام المغيرة بن شعبة.» قالوا: «فحمد الله أن لم يقتله رجل سجد لله سجدة!»

ثم جعل الناس يدخلون عليه، المهاجرون والأنصار، فيقول لهم: «أعن ملأ منكم كان هذا؟» فيقولون: «معاذ الله!»

قالوا: ودعوا له بالطبيب فلم يجد للقضاء فيه حيلة، وتوفي ليلة الأربعاء - لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 23 - ودفن بكرة يوم الأربعاء في حجرة عائشة مع صاحبيه، حسبما أوصى!

جزى الله خيرا من أمير، وباركت

يد الله في ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أن يركب جناحي نعامة

ليدرك ما أوتيت بالأمس يسبق

قضيت أمورا، ثم غادرت بعدها

بوائج في أكمامها لم تفتق

أبعد قتيل بالمدينة أظلمت

له الأرض يهتز العضاه بأسوق

تظل الحصان البكر يلقي جنيها

نثا خبر فوق المطي معلق

وما كنت أخشى أن تكون وفاته

بكف «سبنتي»

3

أزرق العين مطرق

4

| هوامش

| مصرع عثمان

«كنت أحد حملة عثمان

1 - حين قتل - حملناه على باب، وإن رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به، وإن بنا من الخوف لأمرا عظيما، حتى واريناه في قبره في حش كوكب.» (1) تمهيد

ما ذكرت مصرع عثمان إلا ذكرت الهول، وانتابني غم شديد على هذه الضحية - التي قادها إلى الحتف وأوردها موارد التلف - بطانة السوء ورواد المغانم، وطلاب المآرب الذاتية الحقيرة! هذا هو المقتول ظلما وعدوانا، المسفوك دمه بسبب حماقة جماعة من المخرقين الذين لا هم لهم إلا قضاء لبانات أو شفاء حزازات.

مصارع الخلفاء · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٣