تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

ألا ترى إلى الأمين - وهو محاصر مهموم - يطلب الخلاص أو النجدة، فلا يجد إلى ذلك سبيلا - بعد أن ضيق عليه طاهر سبيل النجاة - وقد علمت ما كان له من عز وسلطان وبطش؟

ألا ترى إليه يجيئه - من قبل - نبأ هزيمة قائده «علي بن عيسى» وقتله - والأمين حينئذ على الشط يصيد السمك - فيقول لمحدثه: «ويلك، دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئا بعد؟»

فانظر إلى تلك الخاتمة المروعة التي انتهت بها حياة هذا المستهتر الباطش العزيز، وهو يستغيث فلا يغاث، ويطلب النجدة فلا يأبه له أحد، ثم يذبح من قفاه فيذكرنا بقول شاعر المعرة:

وما أجل عظيم من رجالهم - إذا نؤمل - إلا ماعز ذبحا

ونمثله - في صورة أخرى - باطشا ولاهيا، ومترنح الأعطاف زهوا، ومصعرا خده تيها، وقابضا على ناصية الخلق متصرفا في أرزاقهم وأعمارهم، تعنو له الجباه وتنحني أمامه الرءوس وينشده أبو نواس قوله:

وقد كنت خفتك ثم أمنني

من أن أخافك خوفك الله

فسبحان المعز المذل.

هو الموت، مثر عنده مثل مقتر

وراكب نهج مثل آخر ناكب

ودرع الفتى - في حكمه - درع غادة

وأبيات كسرى من بيوت العناكب!

3

هذه التأملات هي الباعث الأول الذي حداني لإخراج هذا الكتاب «مصارع الخلفاء» والكتاب الذي يليه «مصارع الأعيان»، وقد حاولت أن أدون فيهما طائفة من أروع المشاهد التي ذكرها لنا التاريخ، كما حاولت أن أرسم في ذهن القارئ صورا واضحة مشرقة بالحياة، ولعلي وفقت في هذه المحاولة بعض التوفيق.

| هوامش

| تذكرة

يمر الحول - بعد الحول - عني

وتلك «مصارع الأقوام» حولي

كأني بالألى حفروا لجاري

وقد أخذوا المعاول وانتحوا لي •••

والدهر ينسي كمي الحرب صارمه

ودرعه وفتاة الحي مجولها!

ويسترد من النفس التي شرفت

ما كان في سالف الأيام خولها!

أبو العلاء

| مصرع عمر

هم ضربوا حيدرا

1

ساجدا

وحسبك من عمر

2

إذ طعن

أبو العلاء

ودخل «أبو لؤلؤة» في الناس؛ في يده خنجر له رأسان، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته.

المؤرخون (1) وصفه

رجل أبيض تعلوه حمرة، أشيب أصلع، يصفر لحيته بالحناء ويرجل رأسه، أعسر أيسر، طوال يمشي كأنه راكب.

قال بعض من رآه: رأيت عمر يأتي العيد حافيا، أعسر، أيسر، متلببا برداء قطري، مشرفا على الناس كأنه على دابة، وهو يقول: «أيها الناس هاجروا، ولا تهجروا.» (2) أخلاقه

ويا أبا محمد، قد رمقته، فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه.

أبو بكر •••

هذا هو أظهر أخلاق عمر - رضي الله عنه - الميل الشديد إلى التوازن والمساواة؛ يخشى أن يفسد الناس إذا لان، أو يرغمهم ويذلهم إذا اشتد، فيسلك طريقا وسطا بين الشدة واللين.

لقد كان - رحمه الله - ورعا متقشفا زاهدا، كما كان حكيما واسع الخبرة بأخلاق العرب، قوي الشكيمة، لا يتردد لحظة في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم من ظالمه، يرى أن أحقر أفراد الرعية وأكبر أمراء الدولة سواء أمام الحق، وهو صاحب القولة المشهورة في إحدى خطبه: «من ظلمه أمير فلا إمرة عليه دوني!»

وقد روى لنا التاريخ عن سهره على رعيته وعدله وإنصافه وديمقراطيته شيئا كثيرا، نجتزئ منه بما رواه الغزالي إذ يقول:

أرسل قيصر رسولا إلى عمر بن الخطاب، لينظر أحواله ويشاهد أفعاله، فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: «أين ملككم؟» فقالوا: «ما لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة!» فخرج الرسول في طلبه فرآه نائما في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة، والعرق يسقط من جبينه إلى أن بل الأرض، فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: «رجل جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته، وتكون هذه حالته! ولكنك يا عمر عدلت فنمت، وملكنا يجور، فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا! (3) لماذا قتل؟

مصارع الخلفاء · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الخلفاءص ٢