تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسلم بن المغيرة

ولقد وجدت الوشايات مرتعا خصيبا، فقد حاول الواشون أن يتقربوا إلى هاتين القوتين بالتفرقة بينهما، وكان أبو مسلم يعرف حق المعرفة منعة جانبه وعجز أبي جعفر عن الانتقام منه.

وكان أبو جعفر يسترخص كل غال ويذلل كل عقبة في سبيل الانتقام، وكان يميل إلى سماع الاتهام، كما كان خصمه متوتر الأعصاب ثائر النفس متأهبا للانقضاض عليه ودك عرشه.

ولقد اعتز أبو مسلم بقوته أيما اعتزاز، فلم يكن يني عن عناد (أبي جعفر) ومكايدته، فإذا بعث إليه (أبو جعفر) رسولا يسأله عما أصاب من الأموال - بعد أن هزم عبد الله بن علي - غضب أبو مسلم وهم بقتل الرسول،

1

ولم يتركه إلا بعد شفاعة واعتذار بأنه رسول لا ذنب له؛ فيزداد قلق أبي جعفر وإصراره على قتل أبي مسلم.

قالوا: وخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان فتعظم قوته، فكتب إليه كتابا يقول فيه: «قد وليتك مصر والشام، فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قريب.»

وما كان أبو مسلم الذكي الفطن ليخفى عليه معنى هذا الكلام، فغضب أشد الغضب حين قرأه، وقال: «هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي.»

قالوا: وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعا على الخلاف، وخرج من وجهه معارضا يريد خراسان.

بين أبي جعفر وأبي مسلم

ثم كتب أبو جعفر إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب إليه أبو مسلم:

كتاب أبي مسلم

إنه لم يبق لأمير المؤمنين - أكرمه الله - عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان، إن أخوف ما يخاف الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة، غير أنهما من بعيد حيث تقارنهما السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك، فإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي.

2

كتاب أبي جعفر

قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم؟

فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سماع ولا طاعة.

وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده وأقرب من طبه من الباب الذي فتحه عليك.

رسائل أبي جعفر

ولم يكتف أبو جعفر بما كان يبعث به من الكتب المنمقة إلى أبي مسلم، وبما كانت تحويه من العبارات الخلابة والثناء المزيف، فقد كانوا يكتبون إليه يعظمون أمره ويشكرون ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة الغدر ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين وأن يلتمس رضاه. نقول: لم يكتف أبو جعفر بذلك، فكان يرسل دهاة الساسة عنده إلى أبي مسلم يغررون به، ويظهرون له إعجاب أبي جعفر بحزمه وشجاعته وتقديره لخدماته وبعد نظره.

فقد بعث بأحد هذه الكتب مع أبي حميد المروروذي وقال له: «كلم أبا مسلم بألين ما تكلم به أحدا، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم يصنعه به أحد، إن هو صلح وراجع ما أحب، فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: «لست للعباس وأنا بريء من محمد إن مضيت مشاقا ولم تأتني إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك.» ولا تقولن له هذا الكلام حتى تيأس من رجوعه ولا تطمع منه في خير.»

فيذهب أبو حميد في معشر من دهاة أصحابه وذوي الرأي والتأثير إلى أبي مسلم فيدفع إليه الكتاب ويقول له: «إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله وخلاف ما عليه رأيه فيك حسدا وبغيا يريدون إزالة النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك.»

مصارع الأعيان · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مصارع الأعيانص ٣٣