أولا: مقدمة البحث.
الحمد لله منزل القرآن للمؤمنين شرعةً ومنهاجاً، رب العالمين وهاديهم إليه فضلاً منه لا احتياجاً-تعالى- برؤيته يوم القيامة؛ ليزدادوا سروراً وابتهاجاً، نشكره على نعمه التي غمرتنا جماعاتٍ وأفراداً، ونستعينه ونستهديه ونستغفره على زللٍ فعلناه جهلاً وتقصيراً لا اعتقاداً، ونصلي ونسلم على من اصطفاه ربه فأدناه منه اقتراباً، محمدٍ الذي أرسله ربه هادياً للعالمين وسراجاً وهاجاً، فبلغ دينه وأبان للخلق الإسلام علماً وقولاً وعملاً واعتقاداً، وعلى آله وصحبه وتابعيهم كلما ذكر الله -تعالى- الذاكرون صباحاً ومساءً و هُجَّاداً.
أما بعد:
فتعد جريمة الاختلاس واحدة من أخطر جرائم التعدي على المال العام الذي هو واحد من أهم حقوق الله - تعالى , وصورة من صور أكل أموال الناس بالباطل. و قد ازدادت هذه الجريمة ضراوة وشناعة في العصر الحالي في ظل الفساد المالي و الإداري و السياسي الذي تشهده - و للأسف - أغلبية دول العالم الإسلامي المعاصر, تلك الجريمة التي لم تعد تقتصر على صغار الموظفين في الدوائر الحكومية, بل تعدتهم - و بصورة أشد ضراوة - إلى كبار المسئولين و صانعي القرار بالدولة (1) , و من ثم فقد أفضت هذه الجريمة إلى هروب رؤوس الأموال من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر, ثم عودة هذه الأموال إلى بلادنا على ظهور الدبابات غزواً حربياً و على شاشات الفضائيات غزواً فكرياً. كذلك أفضت إلى انتشار البطالة بين أبناء الأمة ومن ثم انتشار الجريمة المنظمة و غير المنظمة بين شبابها, مع إهدار
(1) لعل أوضح مثال على دلك ما كشفت عنه التغيرات السياسية التي حدثت في الآونة الأخيرة في بعض الدول الكبرى في الشرق الإسلامي, فيما بات يعرف إعلاميا بالربيع العربي!