ثالثاً: أن تتوسع وتغزو اقتصادياً ، لأن أى دولة من تلك الكيانات الهشة لن تملك مقومات القدرة الاقتصادية على الاكتفاء الذاتى، وإسرائيل قادرة حينئذ من خلال اقتصادها المتطور من جانب، ورأس المال المتركز داخل حدودها من جانب آخر، أن تحقق تلك السيطرة، وذلك الغزو الذى يصير نموذجا جديداً للاستعمار من خلال مفهوم التبعية الاقتصادية.
هذا المفهوم الإسرائيلى تطور عقب حرب الأيام الستة، وبسبب تلك الحرب. فقد استطاع العالم اليهودى " فيتال " فى كتابه عن " عدم المساواة بين الشعوب " والذى كتبه أولاً بشكل تقرير قدم إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث كان يعمل بها مديرا للأبحاث أن يخلق ذلك التصور الذى ارتكزت إليه سياسة إسرائيل التى قادت إلى حرب يونيه المفهوم الأساسى هو أن الدول الصغيرة رغم عدم قدرتها على التأثير فى التوازنات الدولية إلا أنها من خلال تنمية قدراتها الاقتصادية من جانب، ثم القيام بحرب خاطفة إقليمية تخلق نوعاً من الاختلال فى التوازن الدولى بين القوتين الأعظم، لا يعنينا هذا التصور إلا فكرة الحرب الخاطفة القادرة على خلق الدول المسيطرة إقليمياً، ثم تأتى التطورات الدولية التى أصابت المنطقة ابتداء من حرب 1973 والتى انتهت بخروج مصر من الصف العربى وإطلاق يد إسرائيل فى لبنان.
الفقه الإسرائيلى المعاصر ومنذ العام الماضى أضحى يطرق بصراحة ووضوح هذا الهدف أى التجزئة كأحد عناصر الأمن الإسرائيلى، بل إنه يصير عنصراً أساسياً لا بديل له ، ونستطيع أن نحدد الإدراك الصهيونى بهذا الخصوص فى ثلاث خطوات متتالية:
أولاً: الهزيمة العسكرية السابقة تصير الخطوة الأولى. إن هذا يعنى فقدان الثقة فى الذات والقناعة فى عدم القدرة على المواجهة، ولذلك فإن الهزيمة العسكرية يجب أن تصاحبها أمور ثلاث: تدمير مكثف من جانب، وتشتيت للأهالى على صورة واسعة من جانب آخر، ثم الحرب النفسية من جانب ثالث.