ولعل هذا يفسر كيف أن المساندة لإنشاء إسرائيل فى لحظة معينة جاء من كبار رجال الدين الموارنة فى الأمم المتحدة، تقرير " القس مبارك " بشأن تشجيع إنشاء دولة يهودية والدفاع عن فكرة الدولة المارونية، ثم الدولة العلوية، والذى يعود إلى عام 1945 لا يزال مودعاً فى الوثائق الدولية، على أن الفكر الصهيونى فى الستينات بدأ يشرح الموضوع من منطلق آخر، كيف تستطيع القيادة الصهيونية المحافظة على بقاء إسرائيل وتجنب الخبرة الصليبية، " إيجال الون " وشيمون بيريز " قدما اجتهادات بهذا الخصوص، وهى ليست الوحيدة، المحور الفكرى هو أن إسرائيل مهما فعلت وحتى لو نجحت بأقصى فاعلية، فإن تجمع اليهود فى دولة إسرائيل لن يسمح بإقامة دولة تتجاوز العشرين مليوناً حتى نهاية القرن... وحتى ذلك التاريخ فإن أصغر دولة عربية سوف تكون قد تجاوزت ذلك الرقم أو اقتربت منه، وذلك دون الحديث عن مصر التى سوف تصل إلى ثمانين مليوناً إزاء ذلك، فإن إسرائيل سوف يتعين عليها أن تظل قلقة محاصرة، فهل تضمن الدفاع المستمر بما يمثل من نفقات من جانب الولايات المتحدة، على إسرائيل إذا أن تخلق إطار دفاعها الذاتى، وهى لذلك يجب أن تعمل جاهدة على أن تحيل المنطقة إلى دويلات صغيرة، أو كيانات هشة محدودة الفاعلية، ومن ثم تلهى تلك الدويلات بصراعات محلية حول الحدود أو بخلافات عشائرية خلال خمسين عاماً على الأقل، مثل هذا التصور يحقق لإسرائيل ثلاثة أهداف فى آن واحد:
أولاً: أن تصبغ على المنطقة صفة الطائفية، أى مفهوم الدولة الدينية، وهكذا تصير إسرائيل متجانسة مع النموذج السياسى السائد فى المنطقة.
ثانياً: أن تصير إسرائيل وهى الدولة القوية باقتصادها وتقدمها التكنولوجى، هى الدولة السائدة أو المسيطرة على المنطقة حيث حولها لا توجد سوى دول أقزام.