فالشيخ إبراهيم الدسوقي يعاني من لقبه، وأخيرا يوفق إلى أنه «المتوسل إلى الله بالقطب الحقيقي، إبراهيم عبد الغفار الدسوقي»، ثم لا تعجبه هذه السجعة، فيبدل من وضع أجزاء اسمه، وينتهي إلى أنه «راجي غفر الأوزار - أو سير الأوزار - إبراهيم الدسوقي عبد الغفار»، أما الشيخ التونسي فهو دائما «المتوكل على عفو المنان، محمد التونسي بن سليمان»، فإذا سئمها فهو «مصحح كتب الطب الآن محمد التونسي ابن سليمان»، أما الشيخ محمد الهراوي فكانت مهمته سهلة؛ لأنه دائما «مغفور المساوي، محمد الهراوي» وكذلك الشيخ مصطفى كساب فهو دائما «المفتقر إلى رحمة ربه الوهاب - أو راجي حسن المآب - الشيخ محمد حسن كساب».
وقد حذا حذو المشايخ فيما بعد خريجو الألسن فالتزموا - مثلهم - السجع في مقدمات كتبهم؛ ولهذا عانوا مثلما عانى الشيوخ، ورأينا في كتبهم أمثال هذه السجعات: «راجي رحمة ربه على الدوام، الفقير إلى الله تعالى سعد نعام»، و«راجي رحمة الملك الودود، عبده خليفة محمود»، و«راجي رحمة ربه المتعال، السيد عمارة عبد العال»، وأخيرا أستاذهم «المؤيد برعاية الملك المبدي، السيد رفاعة بدوي»، أو «الراجي فضله الواسع، رفاعة بدوي رافع» ... إلخ.
وقد حاول جورجي زيدان أن يصنف هؤلاء الشيوخ إلى محررين ومصححين، وذكر أن «التحرير في الأصل هو الإصلاح والتقويم، فيقولون حرر الكتاب؛ أي قومه وحسنه وخلصه بإقامة حروفه، وإصلاح سقطه، والمحرر الذي يقوم بذلك»، أما المصحح في رأيه فهو الذي «يتولى تصحيح الكتاب في أثناء الطبع»؛ وذلك لأن المحررين يشترط فيهم معرفة العلم الذي يعهد إليهم بتحريره، وفهم مصطلحاته العلمية، وغير ذلك، فضلا عن معرفة اللغة، أما المصححون فيكفي فيهم معرفة قواعد اللغة وشواردها لضبط العبارات حسب القواعد».
3
والواقع أن الشيوخ الذين قاموا بمراجعة الكتب المترجمة في ذلك العصر كانوا يقومون بالعملين معا، بل كان لهم جهد مشكور - وخاصة الشيخ التونسي - في إحياء المصطلحات العلمية العربية القديمة ومحاولة التوفيق بينها وبين المصطلحات الأوروبية الحديثة بعد مراجعة كتب العرب في الطب والهندسة والرياضيات، ولفظ المحرر لفظ حديث شاع استعماله بعد نشأة الصحافة وانتشارها، أما وثائق العصر فكانت تسميهم دائما مصححين، فإذا فرقت بينهم سمت هذا مصححا أول أو باشمصحح، وسمت الآخرين مصححين، والشيخ الوحيد الذي أطلقت عليه كتب العصر لفظ «محرر» هو الشيخ التونسي.
وكان المصحح يمنح في العادة - حسب تقاليد العصر - رتبة اليوزباشي، وبذلك يكون راتبه 450 قرشا في الشهر، أو رتبة الملازم فيكون راتبه 300 قرش.
4
كانت أول مدرسة خصوصية شهدت نظام المحررين والمصححين هي مدرسة الطب، غير أن هذا النظام أصبح تقليدا فيما بعد؛ فألحق بكل مدرسة خصوصية مصححون لمراجعة الكتب التي تترجم بها، وحتى مدرسة الألسن فإنها خضعت لهذا النظام؛ وذلك لأن الكثيرين من خريجيها لم يكونوا من أبناء الأزهر، بل جمعوا كما ذكرنا من مكاتب الأقاليم، فكانوا - رغم دراستهم اللغة العربية في مدرسة الألسن على فطاحلها في ذلك العصر - في حاجة إلى من يراجع كتبهم، ويصحح لغتها ويقوم أسلوبها، وسنحاول فيما يلي أن نتحدث عن هؤلاء المصححين وجهودهم. (1) في مدرسة الطب (1-1) الشيخ محمد عمران الهواري
هو أقدم وأول من عين من المصححين بمدرسة الطب، ولا نستطيع أن نحدد بالضبط في أي سنة عين، ولكنه عين قطعا قبل سنة 1248 / 1832 وهي السنة التي طبع فيها أول كتاب طبي ترجم في مدرسة أبي زعبل، وهو كتاب القول الصريح في علم التشريح
5
وترجمه يوحنا عنحوري، وقام على تصحيحه الشيخ الهراوي بالاشتراك مع الشيخ أحمد الرشيدي.
وقد قام الشيخ الهراوي بتصحيح كل الكتب الطبية التي ترجمها المترجمون السوريون: عنحوري وفيدال، وسكاكيني،