تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان من تقليد ذلك العصر أن يترك للشيخ المحرر أو المصحح كتابة مقدمة الكتاب وخاتمته، واختيار عنوان عربي جديد له، واعتاد هؤلاء الشيوخ - متأثرين بالكتب القديمة التي قرءوها - أن يلتزموا السجع في اختيار العنوان وعند كتابة المقدمة والخاتمة، وقد كان لهذه الطريقة في اختيار العنوان عيبها، وفي كتابة المقدمة والخاتمة فائدتها؛ وذلك أنهم بعدوا بالعنوان المسجوع عن العنوان الأصلي للكتاب بعدا كبيرا، فلما حاولت إرجاع هذه الكتب إلى أصولها لمعرفة أسمائها الأجنبية عز علي ذلك، بل واستحال، فكيف يمكن تحقيق الأسماء الأصلية لكتب هذه عناوينها: «نزهة الأنام في التشريح العام»، أو «منتهى الأغراض في علم الأمراض»، أو «رضاب الغانيات في حساب المثلثات»، أو «منتهى البراح في علم الجراح» ... إلخ ... إلخ.

أما المقدمات والخاتمات فقد أفدت منها فوائد جمة؛ فقد اعتاد كل شيخ أن يذكر في مقدمة كل كتاب يراجعه كلمة عن فضل «ولي النعم» في إحياء النهضة العلمية الحديثة، ثم يشير إلى جهود ناظر المدرسة التي ترجم فيها هذا الكتاب، مع مبالغة ملحوظة في مدحه والثناء عليه وعلى جهوده وعلمه، فكلوت بك في نظر الشيخ التونسي هو «أبقراط زمانه، وأفلاطون أقرانه، أمهر من قال أنا طبيب، من يكاد الداء إذا رآه بدون معالجة يطيب».

1

والشيخ مصطفى كساب يصف المسيو «آمون» ناظر الطب البيطري بأنه «الطبيب النجيب، اللوذعي اللبيب، ذو اللطائف والفنون، الحاذق الماهر آمون، ...»

2

وهكذا.

فإذا انتهى الشيخ من هذا التقريظ ذكر اسم المترجم مثنيا على نبوغه ومقدرته، وقد يذكر السبب الدافع لترجمة الكتاب، أو الشخص الموحي بترجمته، وقد يشير إلى طريقة الترجمة مما سنفصل الكلام عنه عند تقديرنا العام للترجمة في هذا العصر.

وفي الخاتمة كان يشير الشيخ إلى أن الكتاب قد «تم على يد مصحح مسائله ومنقح دلائله»، أو أنه «كمل حسب الطاقة تصحيحا، وتم تهذيبا وتنقيحا»، أو أنه «هذب عباراته ومبانيه، وحرر بعد السؤال معانيه، وبذل فيه غاية المجهود، ونظمه نظم اللآلئ في العقود ...» أو أنه روجع «على يد مصحح كلمه عند الترجمة، محرر جمله لدى القراءة والمقابلة، مفرغه في قالب التصانيف الأولية، صائغه على تمثال التآليف العربية، مؤاخيه حال القراءة والجمع، موافيه عند التمثيل والطبع، مغفور المساوي محمد الهراوي» إلخ إلخ.

فإذا انتهى الشيخ من مدح نفسه والثناء على مجهوده، ذكر اسم الكتاب ونص على أنه هو الذي اختاره، ثم أشار إلى تاريخ الانتهاء من الترجمة، وتاريخ الانتهاء من طبعه، وكان بعض المشايخ يؤرخ لكتابه بأبيات من الشعر - كتقليد العصر - ثم يذكر في هذه الأبيات - أحيانا عدد النسخ التي طبعت من الكتاب وقد كان المعتاد أن يطبع من كل كتاب ألف نسخة، وفي النهاية كان يشير الشيخ إلى المطبعة التي طبع بها الكتاب.

من هذا كله يتضح أن هذه المقدمات والخاتمات هي في الواقع وثائق هامة جدا لتاريخ الحركة الفكرية في ذلك العصر، فمنها استطعت أن أعرف الشيء الكثير عن الكتب ومترجميها ومصححيها، وطريقة الترجمة، والمراجعة والتصحيح وعدد الطبعات، وسنة الطبع وأغراض الترجمة، وموجهيها.

والشيء الوحيد الذي كان يغفله الشيوخ - رغم أهميته - هو أسماء المؤلفين؛ فقلما كانوا يشيرون إلى هذه الأسماء، ولم يحدث هذا إلا في الكتب التي وضعها مدرسو المدارس، أو في الكتب التي ترجمت في مدرسة الألسن، وألفها رجال عظام؛ «كفولتير»، أو «روبرتسون» إلخ، وكانت هذه الأسماء تكتب بحروف عربية، ولم يحدث أبدا أن كتبت بحروف لاتينية، مع وجود هذه الحروف في مطبعة بولاق منذ إنشائها، بدليل استعمالها في طبع القاموس الإيطالي العربي.

وقد انتفى هذا التقليد في الكتب التي ترجمها خريجو الألسن؛ فأصبح المترجمون يكتبون المقدمات والخاتمات بأنفسهم، غير أن الشيء الوحيد الذي كان يعاني منه الشيوخ المحررون كثيرا، ثم عانى منه خريجو الألسن أيضا، وهم يتبعون طريقتهم، هو السجعات التي تتفق وأسماءهم، فكانوا يتحايلون على هذه الأسماء تقديما وتأخيرا، وتبديلا وتغييرا حتى تتفق أخيرا مع ما يكمل السجعة. وفيما يلي أمثلة طريفة لما كان يبذله هؤلاء الشيوخ من جهد لنظم أسمائهم في سجعات مختلفة.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٨٩