تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أوائل عهد إسماعيل أعيد إنشاء قلم الترجمة

207

الملحق بديوان المدارس وتولى الإشراف عليه رئيسه القديم رفاعة بك، وكان من مترجميه أبو السعود وصالح مجدي، بل لقد أتى على هذا القلم وقت لم يكن به من المترجمين غير صاحبينا وزميل ثالث لهما كان له شأن أي شأن في ترجمة الكتب التاريخية في عصر محمد علي وهو حسن أفندي الجبيلي.

وقد شارك مجدي في تلك الفترة كأستاذه رفاعة وزميله أبي السعود في التحرير في روضة المدارس، ثم في ترجمة «قانون نابليون

Code du Napoleon » وفي ترجمة القوانين المختلفة الأخرى التي تم نقلها إلى اللغة العربية في عهد إسماعيل، وظل يتقلب في الوظائف حتى عين في سنة 1292 / 1875 قاضيا بمحكمة مصر، ولبث يشغل هذا المنصب حتى توفي في ذي الحجة سنة 1298.

وفي كل تلك العهود كان علي باشا يستعين به وبجهوده وعلمه في تأليف وتصنيف معظم كتبه؛ فقد قال في الخطط: «وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين بعد الألف أحيلت على عهدتي - وأنا إذ ذاك ناظر القناطر الخيرية - مأمورية تأليف كتاب الهجاء والتمرين، فطلبت المترجم من ديوان المدارس بأمر عال فحضر عندي، واشتغل معي بالكتاب المذكور حتى تم على أحسن حال، وتكرر طبعه حتى زادت نسخه على خمسة عشر ألفا.»

208

ثم قال: «ولما أحيلت على عهدتي نظارة عدة دواوين ومصالح في آن واحد استعنت بقلمه على تحرير عدة لوائح وترتيبات نافعة لإدارة هذه المصالح.»

209

وقال أيضا: «وباشر معي أيضا بعض التاريخ الذي عملته للديار المصرية في عدة مجلدات، وبعض رسائل جمعتها وطبعت بمعرفته في جرنال روضة المدارس ...»

210

وقال محمد مجدي في ترجمة والده التي نشرها في مقدمة ديوانه إنهما أتما من هذا الكتاب «ما يتعلق بالفراعنة والأكاسرة والبطالسة والرومانيين، ووصلا فيه في مدة الإسلام إلى سنة ستين ومائة بعد الألف من الهجرة، وبلغ ما جمع فيه من المجلدات نحو أربعمائة كراسة، وهو الآن لدى سعادة علي مبارك باشا، والغالب أنه مهيأ للطبع ...»

211

وقد ظن البعض أن المقصود بهذا الكتاب هو كتاب الخطط، غير أن الخطط تم طبعها في سنة 1806، وديوان صالح مجدي طبع في سنة 1911، فكأن الكتاب الذي كان مهيأ للطبع في سنة 1911 هو غير الخطط قطعا وخاصة أن موضوعه هو تاريخ مصر في مختلف العصور لاطوبغرافيتها، غير أني رجعت إلى قائمة الكتب المطبوعة التي ألفها كل من علي مبارك وصالح مجدي، فلم أجد من بينها كتابا في تاريخ مصر، فلعله لم يطبع.

هذا هو صالح مجدي، وهذا موجز عن جهوده؛ فقد قضى العمر كله يترجم ويؤلف حتى زادت ترجماته ومؤلفاته عن «خمسة وستين كتابا ورسالة».

212

أبو السعود وصالح مجدي علمان كما قلنا من أعلام خريجي الألسن، وهما خير نموذجين لهذه الطائفة من المترجمين، وعلى مثالهما بذل إخوانهما الجهد في الترجمة، ومن صنفهما عثمان جلال في ميدان الأدب، وقدري باشا في ميدان القانون.

وقد ربطت الحوادث بين هذين العلمين وبين أستاذهما رفاعة، فعملا معه في قلم الترجمة في عصري محمد علي وإسماعيل، واشتركا معه في تحرير روضة المدارس وفي ترجمة قانون نابليون، غير أنهما رغم هذا اختلفا الواحد عن الآخر في ميادين أخرى؛ فقد كان صالح مجدي أقرب إلى علي مبارك في دراساته وثقافته الرياضية والعسكرية؛ ولهذا تعاون في إنتاجه العلمي مع علي مبارك أكثر من تعاونه مع أستاذه رفاعة، ومع هذا فقد كان فضل رفاعة عليه كبيرا؛ فإن ثقافته الفرنسية والعربية التي تلقاها في مدرسة الألسن هي التي رشحته للعمل في قلم الترجمة في عهدي محمد علي وإسماعيل، وهي التي رشحته للعمل في مدرسة المهندسخانة في عهدي محمد علي وعباس، وثقافته القانونية في الألسن أيضا هي التي رشحته للعمل في ترجمة القوانين ثم لتولي وظيفة القضاء في عصر إسماعيل؛ لهذا كان مجدي أبر التلامذة بأستاذه، فهو الوحيد من بين تلاميذ رفاعة الذي أرخ له بعد وفاته، فكتب عنه كتابه القيم - رغم صغره - «حلية الزمن بذكر مناقب خادم الوطن».

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٨١