تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي عهد عباس الأول انزوى أبو السعود أفندي موظفا عاديا لا جهد له ولا نشاط، ولا عجب؛ فهو تلميذ رفاعة، فلما تولى سعيد باشا الحكم عاد أبو السعود إلى الحياة، وسافر مع الوالي إلى السودان كاتبا لمعيته، وبعد عودته عين بقلم الترجمة بالخارجية، وفي أوائل عهد إسماعيل عاد إلى قلم الترجمة الملحق بديوان المدارس ليعمل من جديد بالاشتراك مع زميله صالح مجدي تحت رئاسة أستاذهما رفاعة بك.

وفي هذا العهد بلغ نشاطه في الترجمة والتأليف أوجها؛ فترجم سبعة كتب

203

معظمها في التاريخ وهو العلم الذي تخصص فيه، وبعضها في الزراعة والكيمياء أو القانون أو الجغرافيا، وفي هذا العهد أيضا خطا أبو السعود خطوة جريئة، فأنشأ في مصر أول صحيفة وطنية شعبية هي جريدة «وادي النيل»

204

وقد كان لهذه الصحيفة شأن كبير في التمهيد للحركة الوطنية في عهد إسماعيل.

وقد ساهم أبو السعود في تحرير أول مجلة مصرية ظهرت في ذلك الوقت وهي «روضة المدارس»، ثم اختير في أخريات أيامه ناظرا لقلم الترجمة خلفا لأستاذه رفاعة، ثم كان مدرسا للتاريخ بمدرسة دار العلوم، وعضوا بمجلس الاستئناف إلى أن توفي في الثامن من صفر سنة 1295.

أما السيد صالح مجدي فهو من أسرة عربية الأصل، ولد في قرية أبي رجوان من أعمال مديرية الجيزة في سنة 1242 أو سنة 1243، وتلقى علومه الأولى في مكتب حلوان الأميري، ومنه اختير كما اختير زميله أبو السعود ليكون تلميذا بمدرسة الألسن، فألحق بها في سنة 1252.

وفي عهد تلمذته بهذه المدرسة ظهر نبوغه في اللغتين العربية والفرنسية، فلما أنشئ قلم الترجمة في سنة 1258، وجعل من أقسامه قسم لترجمة الكتب الرياضية تحت رئاسة بيومي أفندي جعل السيد صالح مجدي وكيلا لهذا القسم، وفيه ترجم كتابين؛ «أحدهما جداول المهندسين، وثانيهما تطبيق الهندسة على الميكانيكا والفنون».

205

وفي سنة 1260 نقل إلى مدرسة المهندسخانة - خلفا لزميله أبي السعود الذي نقل من المهندسخانة إلى قلم الترجمة في سنة 1259 - وفي هذه المدرسة عين مجدي «لتدريس اللغتين الفرنساوية والعربية وتعليم نجباء تلامذتها فن الترجمة وتعريب فروع الرياضيات التي تدرس بها القواعد العربية»،

206

ويقول علي باشا مبارك في كتابه الخطط: «إني قد كنت من رجال هذه المدرسة، فعرفت المترجم فيها، واتخذته لي صاحبا وصديقا، كنت قد تعينت في سنة 60 التي التحق هو فيها بتلك المدرسة للسفر مع عدة من أمثالي إلى مملكة الفرنسيس لتكميل العلوم الرياضية، وتحصيل الفنون العسكرية المتعلقة بالطوبجية والاستحكامات، فلما رجعت إلى مصر بعد خمس سنين وجدته قد وصل إلى رتبة يوزباشي، وأخبرني أنه أحرزها في سنة 1262، وأنه عرب في هذه المدة عدة كتب في فروع الرياضيات منها كتاب في الطبوغرفيا والجيودوزية، وكتاب مكانيكا نظرية، وكتب ميكانيكا عملية، وكتاب أدروليكا، وكتاب حساب آلات، وكتاب طبيعة، وكتاب هندسة وصفية، وكتاب في حفر الآبار ورسالة في الأرصاد الفلكية تأليف الشهير «أرجو»، ولما أحيلت على عهدتي نظارة المهندسخانة وما معها سنة ست وستين بعد انتقالي من رتبة صاغ قول أغاسي إلى رتبة أميرالاي كان لي المترجم رفيقا مع قيامه بوظائفه، وطالما استعنت بقلمه على تأليف كتب متنوعة في فنون شتى، وقد ترجم في تلك المدة عدة كتب في الرياضة، منها كتاب في الحساب، وكتاب في الجبر، وكتاب في تطبيق الجبر على الأعمال الهندسية، وكتاب في الظل والمنظور، وكتاب في حساب المثلثات، وكتاب في الهندسة الوصفية، وكتاب في قطع الأحجار والأخشاب، وهي كتب جار عليها العمل إلى الآن في المدارس، وله غير ذلك من الكتب التي تجل عن الحصر.»

وهكذا كان صالح مجدي أسعد حظا من صديقه أبي السعود، فقد مهدت له معرفته بعلي مبارك السبيل إلى البقاء في مدرسة المهندسخانة في عهد عباس، وفي هذه المدرسة قضى نحو عشر سنوات أنتج فيها هذا الإنتاج الضخم، وفي عهد سعيد باشا عاد أستاذه رفاعة من السودان غير أنه ظل مدة عاطلا، فنقل مجدي في سنة 1272 وكيلا لمأمورية أشغال الطوابي بالقلعة السعيدية، وعهد إليه بترجمة الكتب العسكرية، ثم مباشرة طبعها في مطبعة بولاق، ثم لم يلبث أن جذبه رفاعة إليه فنقل ناظرا لقلم الترجمة الملحق بالمدرسة الحربية بالقلعة التي كان يتولى نظارتها رفاعة.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ٨٠