20
ولا يمكننا أن نمر بهذا الحديث دون أن نشير إلى دلالاته المختلفة، وأولها وأهمها هذه القدرة العجيبة من شخص كمحمد علي ظل أميا حتى سن متأخرة جدا، على تفهم كتابين من أعظم ما خلفته الثقافة الإنسانية في الغرب والشرق، ثم المقارنة بينهما، وتفضيل أحدهما على الآخر.
بقي أن نشير إلى ما ورد في حديث محمد علي ل«أشربي» من أنه أمر أن يترجم الكتاب إلى التركية، مع أن الترجمة التي وصلتنا ترجمة عربية، ويمكن تفسير هذا التعارض بأن رفاييل الذي كلف بترجمة الكتاب لم يكن يعرف اللغة التركية فترجمه إلى العربية، وإذ كان محمد علي لا يتقن العربية، ولغته الأصلية هي التركية، فمن الممكن أن نفرض أن هذه الترجمة العربية ترجمت ثانية إلى التركية
21 - إما كتابة وإما شفاها - ليتمكن محمد علي من فهم ما جاء بها، ويؤكد هذا الظن أمر محمد علي فيما بعد بترجمة رحلة رفاعة إلى «باريس» عن العربية إلى التركية، ليطلع عليها هو ورجال دولته ممن يجيدون التركية دون العربية.
ومخطوطة الترجمة العربية كانت موقوفة على مكتبة مسجد سيدنا الحسين، ثم نقلت منها إلى دار الكتب المصرية، حيث ما تزال محفوظة تحت رقم 435 تاريخ، وعنوانها «المجلد الرابع من مصنفات نيقلاوس في التواريخ وفي علم حسن التدبير في الأحكام»،
22
وطول المخطوطة 21,5سم، وعرضها 16سم، وهي مكتوبة بالخط النسخ الجميل، وتتكون من 82 ورقة، وفي كل صفحة 20 سطرا.
والأوراق من 1أ إلى 2ب تحتوي على مقدمة موجزة من قلم المترجم تبدأ بقوله «نبتدئ بعون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله الذي على مشيئته وتدبيره تنعقد سلاسل الحوادث والأخبار، ومن فيض أحكامه ونجد (كذا) تقديره يجري مجرى ما وقع في الدهور والأعصار، ثم يلي ذلك مدح لمحمد علي وأنه أمره بترجمة هذا الكتاب الذي ألفه المعلم ماكيافييلي ليفيد منه القائمون بالوظائف الإدارية، وأنه ترجمه ترجمة دقيقة ليكون واضحا سهلا لمن يقرؤه، وأنه بذل في ذلك عناء وعناية؛ لأن تراكيب الكتاب قديمة وأفكاره صعبة؛ فقد ألف في سنة 1600.»
الصفحة الأخيرة من كتاب «في صناعة صباغة الحرير» ترجمة الأب رفاييل.
والكتاب غير تام الترجمة،
23
ويتكون من 23 فصلا، وإن كان رافييل قد أطلق على كل فصل من الفصول السبعة الأولى اسم «رأس»، ثم سمى الفصول من 8 إلى 12 فصولا، ولكنه عاد فكتب على الفصول الباقية لفظ «رأس» بدلا من فصل.
وترجمة رفاييل لهذا الكتاب - كترجماته الأخرى - ضعيفة ركيكة الأسلوب، صعبة الفهم، وسنعود للتحدث عنها بإسهاب عند تقديرنا العام للترجمة في هذا العصر، وتقول الآنسة «ماريا ناللينو»
24
إن مشروع طبع هذا الكتاب لم ينفذ، ولعل ذلك راجع إلى رأي محمد علي الذي لم يقدر محتويات كتاب «ماكيافيللي»، أو لعل ترجمة رفاييل بدت أمام مصححي مطبعة بولاق من شيوخ الأزهر ركيكة الأسلوب ضعيفة العربية، بل وغامضة غير واضحة المعنى في مواضع كثيرة منها.
هذه هي جهود رفاييل الأولى في الترجمة منذ عاد إلى مصر، وكلها تنفيذ لأمر محمد علي وتوجيهاته، فلما أنشئت مدرسة الطب في سنة 1243 / 1827 اختار كلوت بك نفرا من المترجمين السوريين ليقوموا بنقل الدروس، وترجمة المحاضرات إلى الطلبة، وكان رفاييل أول من اختير لهذه المهمة.
وقد جاء في التقرير الذي كتبه كلوت بك عن حالة المدرسة في سنتها الأولى، أن رفاييل الدكتور في الطب، العالم باللغة العربية والفرنسية والإيطالية، والمعين بالمدرسة، كلف بترجمة علم الفسيولوجيا، وأنه قام به بدقة ووضوح.
25
ثم ذكر «كلوت بك» في تقرير السنة التالية (1244 / 1828) اسم رفاييل بين أعضاء لجنة الامتحان، وقال : «إن الأستاذ الدكتور رفاييل قام في كثير من المهارة بترجمة رسالة في التشريح الباتولوجي