6
وسرعان ما عرف هذه الرغبة جميع المحيطين بمحمد علي من أجانب ومصريين، فتسابقوا لإشباعها؛ فمن أمثلة ذلك ما فعله المسيو «دروفتي
Drovetti » قنصل فرنسا في مصر، فقد حمل إلى محمد علي في سنة 1241 / 1826 مجموعة من الكتب المختصة بعلوم وقوانين البحرية هدية إليه «من قبل ناظر ترسانة بحرية طولون»، ففرح بها محمد علي، «وحصل له السرور»، وصدر أمر منه في 10 ذي القعدة إلى باغص بك يرى فيه لزوم إرسال قبضة سيف وشال كشمير إلى الناظر المومى إليه بصفة هدية.
7
وفي 19 ربيع الثاني سنة 1243 / 9 نوفمبر سنة 1827، صدر أمر من محمد علي باشا «إلى أحد مندوبي مصر بلوندرة، أنه قد اتصل بعلمه تأليف وطبع كتاب يختص بالسفن الميرية الجاري إنشاؤها برسم الحكومة الإنجليزية، وبه مقدار المصاريف التي حذفت عليها، وكتاب آخر يختص بتعليم الأطفال المبتدئين، ويشير به بمشترى بعض نسخ من هذا وذاك، وإرسالها بسرعة للزومها بطرفه ...»
8
وفي 25 شوال سنة 1244 / 10 أبريل سنة 1828 صدر أمر منه إلى ولده إبراهيم باشا «بأن يرسل له كتاب الاستحكامات القوية الوارد من الآستانة قبلا، وملحق به أطلس يشتمل على 24 شكلا مكملا له ...»
9
وفي وثائق عابدين شواهد كثيرة تؤيد هذه الرغبة السامية؛ ففي 16 صفر سنة 1241 / 19 سبتمبر سنة 1825، صدر أمر من محمد علي باشا إلى صادق أفندي المقيم بالآستانة أن يحصل على كتاب في الجراحة باللغة التركية اسمه: «شاني زاده في فن الجراحة».
10
وفي رسالة أخرى مؤرخة في 24 ربيع الأول سنة 1241 / 6 نوفمبر سنة 1825، كلف المدعو توسيزا
Tossizza
11
أن يبحث في محال بيع الكتب في أزمير عن بعض الكتب التي يطلبها محمد علي.
وكان يتقدم إليه أحيانا بعض رجال دولته يرغبون التوصية لشراء أحدث المؤلفات العلمية التي صدرت في أوروبا بعد عودتهم، فكان محمد علي يسرع بتلبية هذه الرغبة؛ فقد صدر منه أمر إلى أرتين بك في 25 ذي الحجة سنة 1261 / 25 ديسمبر سنة 1845 بأن «بهجت بك المهندس» أوضح بإفادته المقدمة إلي بأنه من بعد عودته من أوروبا للآن صار نشر جملة كتب في علم الهندسة، وتطلب بها استحضار تلك الكتب للوقوف على ما تدون بها، فيلزم مخابرة اسطفان أفندي (رئيس البعثة بفرنسا) عن إرسال تلك الكتب لبهجت بك وخصم أثمانها من استحقاقه.»
وفي السنة السابقة لوفاة محمد علي أعد كلوت بك ولامبير بك قائمة بالمعدات والكتب الخاصة «بالمواليد الثلاثة والكيمياء والنبات، فأصدر محمد علي في 6 رجب سنة 1263 / 20 يونيو سنة 1846 أمرا إلى أرتين بك باستحضار «تلك الآلات والكتب» من فرنسا «ما دامت تكون غير موجودة بالمخازن».»
12
هذا وقد كان لكل مدرسة خصوصية مكتبة كبيرة تضم أحدث الكتب الأوروبية التي كانت تصدر حينذاك في أوروبا ، وإن كان معظمها باللغة الفرنسية ولمؤلفين فرنسيين، ذكر المسيو «بروكي
Brocchi »
13
أنه شاهد أثناء زيارته لمدرسة بولاق في سنة 1822 مكتبة تضم مجموعة كبيرة من الكتب الأوروبية، وعددا من الكتب العربية والتركية المطبوعة في الآستانة.
وقد كان محمد علي يرى أن هذه الكتب وجدت في هذه المكتبات «للترجمة منها والانتفاع بها»، لا «لحبسها وعدم الانتفاع بها»؛ فقد صدر أمر منه إلى وكيل الجهادية في 16 ربيع الثاني سنة 1251 / 10 أغسطس سنة 1835 يذكر فيه أنه «اطلع على المضبطة الصادرة في 6 الجاري سنة تاريخه الشاملة لاستحسان تسليم زمام مكتبة القصر العيني إلى يحيى أفندي الموجود بمدرسة الترجمة المستجدة بالأزبكية عوضا عن الشيخ رفاعة المحال عليه محافظة تلك المكتبة، وحيث إن الغرض من استحضار الكتب هو تسليمها لأهلها، وللترجمة منها، والانتفاع بها، وحال وجودها تحت يد يحيى أفندي المذكور يكون عبارة عن حبسها وعدم الانتفاع بها فيلزم نقلها إلى محل وجود الشيخ رفاعة وإبقاؤه بوظيفة محافظ لتلك الكتب كما كان.»