كذلك نلاحظ أن حركة الترجمة في عصر محمد علي كانت حركة واسعة شاملة؛ فلم تقتصر على الترجمة عن اللغات الأوروبية، بل شملت الترجمة عن كل اللغات الأوروبية والشرقية الحية وإليها، فترجمت كتب عن الفرنسية، أو الإيطالية، أو عن ترجمات فرنسية عن الإيطالية والإنجليزية، أو عن ترجمات إيطالية عن الفرنسية، إلى اللغتين العربية والتركية.
1
وترجمت كتب عن العربية إلى التركية، أو عن التركية إلى العربية.
وترجمت كتب عن الفارسية إلى التركية، وترجم كتاب واحد - وهو كلستان سعدي - عن الفارسية إلى العربية.
2
وقام بالترجمة عن العربية إلى اللغات الأوروبية جماعة من المستشرقين الذين عاشوا في مصر في ذلك الوقت؛ فقام «الدكتور برون»
3
مثلا بترجمة كتب كثيرة في الأدب والتاريخ عن العربية إلى الفرنسية، كما قام «مستر لين» بترجمة القاموس المحيط إلى اللغة الإنجليزية.
وهناك محاولة مصرية وحيدة للترجمة في هذه الناحية؛ فقد أشار محمد علي مرة بتصنيف كتاب رسمي عن جهوده الإصلاحية أسماه «روضة العمران»
4
ثم كلف بعض مترجميه، وهم: حكاكيان أفندي وأرتين أفندي، ويوسف أفندي، واسطفان أفندي، وكاني بك، ورفاعة بك
5
بترجمته عن العربية إلى الفرنسية؛ ليكون وسيلة للدعاية له ولجهوده في الخارج، غير أنني لم أوفق - رغم البحث الطويل - للعثور على ما يثبت وجود هذا الكتاب - مخطوطا أو مطبوعا - بالعربية أو بالفرنسية. (3) طريقة الترجمة
شهد العالم الإسلامي، منذ بدء الإسلام حتى الآن، حركتين للترجمة: كانت الأولى في عهد الدولة العباسية، وخاصة في عصري الرشيد والمأمون، وبدأت الثانية في عصر محمد علي، وقد عانى المترجمون في العهدين كثيرا من صعوبات الترجمة وخاصة عند نقل المصطلحات العلمية التي لا مرادف لها في اللغة العربية.
أما المترجمون في العصر العباسي، فقد كان لهم في النقل - كما يقول الصلاح الصفدي - طريقان: «أحدهما هو أن ينظر إلى كلمة مفردة من الكلمات الأعجمية، وما تدل عليه من المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى كذلك، حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه. وهذه الطريقة رديئة لوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات الأعجمية؛ ولهذا يقع في خلال هذا النقل كثير من الألفاظ الأعجمية على حالها، والثاني أن خواص هذا التركيب والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة لأخرى دائما، وأيضا يقع الخلل من جهة استعمال المجازات، وهي كثيرة في جميع اللغات.
والطريق الثاني في الترجمة هو أن يأتي بالجملة فيحصل معناها في ذهنه، ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها، سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها، وهذا الطريق أجود».
6
هاتان هما الطريقتان اللتان اتبعتا في العصر العباسي، وهما طريقتان اجتهاديتان كان الباعث عليهما أن الترجمة في ذلك العصر كانت ترجمة فردية، حقيقة إن الترجمة في العصر العباسي - كانت مثلها في عصر محمد علي - ترجمة رسمية، يوعز بها، ويرعاها ويشجعها الحكومة والحكام، غير أن الخليفة في العصر الأول كان يوعز إلى المترجمين بالترجمة، فيبذل كل منهم جهده وحده، ويتصرف في النقل حسب اجتهاده.
أما الترجمة في عصر محمد علي فكانت تقوم بها هيئات متعددة؛ ولهذا نراها أحيطت بالضمانات الكافية والممكنة لتخرج سليمة، دقيقة متقنة بقدر الإمكان.
بدأ الترجمة في عصر محمد علي جماعة السوريين، وكان أولهم الأب رفائيل، وقد ترك وشأنه في الترجمة؛ فقد كانت الحركة في أول خطواتها؛ ولهذا خرجت ترجماته رديئة ضعيفة الأسلوب، غير واضحة ولا مفهومة، فلما ألحق نفر آخرون من السوريين بمدرسة الطب، أحست الحكومة فيهم هذا الضعف في اللغة العربية؛ فبدأت بوضع تقليد جديد، وهو إشراك جماعة من شيوخ الأزهر معهم في النقل لتخير الألفاظ والمصطلحات العلمية العربية، أو لاشتقاق ونحت ألفاظ ومصطلحات جديدة، ثم لتصحيح الأسلوب وصياغته صياغة عربية صحيحة.