ورغم وجود مدرسة المهندسخانة في بولاق فقد ألحقت بها حوالي سنة 1260 مطبعة حجر خاصة لطبع الكتب الرياضية المختلفة، وما يتصل بها من أشكال ولوحات إيضاحية.
وهناك مطبعة أخرى لم يعن أحد بذكرها أو الإشارة إليها رغم أهميتها، وهي مطبعة سراي الإسكندرية، ولسنا نعرف بالتحديد متى أنشئت هذه المطبعة، ولكننا نعرف أنها شاركت في طبع بعض الكتب المترجمة في ذلك العصر، وخاصة الكتب التاريخية التي ترجمت إلى اللغة التركية، ومنها نستطيع أن نرجح أن هذه المطبعة أنشئت في سراي رأس التين حوالي سنة 1832، ففيها طبع في سنة 1249 / 1834 كتاب «تاريخ نابليون» تأليف «دوق دي روفيجو»، وكتاب تاريخ إيطاليا تأليف «بوتا»، وقد قام بترجمة الكتابين عن الفرنسية إلى التركية عزيز أفندي كاتب الديوان بثغر الإسكندرية.
وفي هذه المطبعة أيضا كانت تطبع الجريدة الرسمية الفرنسية «لومونيتور إجيسيان
Le Moniteur Egyptien » التي ظلت تصدر نحو ثمانية أشهر من أغسطس سنة 1833 إلى مارس سنة 1834.
23
وبعد وضع التنظيم الإداري الجديد لمصر ألحق ببعض الدواوين مطابع خاصة بها لنشر أوامرها ومنشوراتها وقوانينها؛ فقد كان لديوان المدارس مطبعة، ولديوان الجهادية مطبعة، غير أنا نلاحظ أن هذه المطابع شاركت أيضا في طبع الكتب المترجمة؛ ففي مطبعة ديوان الجهادية طبعت «رسالة في علاج الطاعون» في سنة 1250، و«رسالة فيما يجب اتخاذه لمنع الجرب والداء الإفرنجي عن عساكر الجهادية ونسائها» في سنة 1251، والرسالتان من تأليف كلوت بك.
وقد كان الغرض الأساسي من إنشاء هذه المطابع هو طبع الكتب المترجمة، ولكنها قامت أيضا بإحياء كثير من المخطوطات القديمة التي دعت الحاجة إلى طبعها، وقد كانت تقاليد العصر تقضي بطبع ألف نسخة من كل كتاب يترجم، وإن كان القليل منها قد طبع منه خمسمائة فقط.
وكانت هذه الكتب توزع على تلاميذ المدارس، فهي من أجلهم ترجمت وطبعت، وكانت أثمان الكتب تخصم منهم في أول الأمر، وثمن الكتاب هو ما صرف على طبعه دون تقدير أي ربح، وحوالي سنة 1258 / 1842 رأت الحكومة أن تصرف الكتب للتلاميذ على نفقتها الخاصة، ولكنها كانت تأمر بأن تكون هذه الكتب عارية للتلاميذ تجمع منهم إذا انتقلوا إلى فرقة أعلى لتصرف إلى التلاميذ الجدد
24
وهكذا يستمر الكتاب يتداول بين التلاميذ من يد إلى أخرى حتى يهلك فيستهلك.
وبعد مدة أخرى رأى ديوان المدارس أن يقرر مبدأ ملكية التلميذ للكتاب، وبهذا أصبح كل تلميذ يحتفظ بكتبه إذا انتقل من فرقة إلى أخرى، أو من مدرسة إلى أخرى، ويبدو لي أن الديوان قرر هذا النظام بعد أن رأى أن الكتب التي طبعت لم تجد لهما قراء غير تلاميذ المدارس، فتكدست أكواما في المخازن.
وقد كانت الكتب التي طبعت في مصر تجد لها أسواقا رائجة في تركيا وبلاد المغرب
25
وبذلك نافست مطبعة بولاق مطبعة الآستانة.
أما في مصر فقد كان الإقبال على الكتب المترجمة - خارج المدارس - قليلا جدا؛ وذلك لقلة عدد القارئين، ولأن معظم الكتب التي ترجمت كانت كتبا فنية لا يفيد منها قراء المعهد القديم - الأزهر - ولهذا كانت هذه الكتب تختزن في مخازن المطبعة في بولاق، أو في «الكتبخانة الخديوية» التي أنشئت في سنة 1250، «وكان الديوان والكتبخانة دائمي الشكوى من صعوبة «تصريف» الكتب التي اكتظت بها برغم الإجراءات التي كانت تتخذها لتشجيع الإقبال على شرائها؛ فكانت تبيع الكتب أحيانا بثمن مؤجل وتخفض أثمانها أحيانا أخرى؛ رغبة في انتشار العلوم بين الأهالي»،
26
وقد كان في عزم محمد علي أن ينشئ في القلعة «بعد إتمام الجامع الشريف» دار كتب جديدة تنقل إليها الكتب النفيسة من خزينة الأمتعة «لمطالعة الجمهور»،
27
غير أن المراجع المعاصرة لا تذكر أن هذا الأمل حقق في عصر محمد علي.