وانتقل من هذا إلى وصف «بستان النباتات السلطاني» وما به من أنواع النبات والحيوان المختلفة، و«الرصد السلطاني» وما به من آلات لرصد الكواكب؛ و«الكنسروتوار ... ومعناه المخزن أو المحفظ ... وفيه جميع الآلات ... خصوصا الآلات الهندسية كآلات الحيل وتحويل الأثقال.»
وذكر رفاعة بعد ذلك أن في باريس المدارس الكثيرة لدراسة العلوم والفنون، ومنها «ما يسمى أكدمة، ومنها ما يسمى مجمعا أو مجلسا، والأنسطيوت عندهم اسم عام يشتمل على جميع اجتماع الأكدمات، أي المجالس الخمسة، وهي: أكدمية اللغة الفرنساوية، وأكدمية العلوم الأدبية ومعرفة الأخبار والآثار، وأكدمية العلوم الطبيعية والهندسية، وأكدمية الصنائع الظريفة، وأكدمية الفلسفة ...» وبعد أن وصف كل «أكدمية» من هذه «الأكدميات» وصفا مسهبا، ذكر أن في باريس أيضا «مدارس سلطانية تسمى الكوليچ، وهي مدارس يتعلم فيها الإنسان العلوم المهمة التي تكون وسائل في الأمور المقصودة منها، وهي خمسة كوليچات ... إلخ.»
كان طبيعيا أن تحظى الحياة العلمية في باريس بهذه اللفتات من رفاعة وهو خريج الأزهر والمبعوث إلى باريس لإتمام علومه، ولكننا نلاحظ أنه لم يغمض عينيه عن مظاهر الحياة الأخرى، بل لقد كانت له نظرات ولفتات إلى مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا. والسمة الواضحة لهذه اللفتات جميعا هي الظاهرة التي سجلناها قبلا، أي المقارنة والأمل، فهو إذا وصف نهر السين تذكر نهر النيل فقال: «... وشتان بين هذا وبين النيل والروضة والمقياس، فإن نزهة الإنسان في الروضة والمقياس لا تضاهى؛ لأن الخليج يعبر مصر، والسين يعبر باريس، إلا أن نهر السين بتمامه يشق باريز، وتجري به السفن العظيمة الوسق، وبه الأرصفة الجيدة، والنظافة على حوافيه، ومع ذلك فنزهته غير سارة. وشتان أيضا بين ماء النيل والسين من جهة الطعم وغيره؛ فإن ماء النيل لو كانت العادة جرت بترويقه قبل استعماله كما هي العادة في ماء نهر السين لكان من أعظم الأدواء. وأقول أيضا إنه فرق بعيد بين طعم ماء نهر السين وماء العيون والقطوع والسواقي ببلاد صعيد مصر ...» وينتقل بعد هذا إلى المقارنة بين الجو في مصر وفي فرنسا، فيصف شدة البرد في باريس إلى أن يقول: «وأما مصر فإنها سليمة من مكاره برد باريس، كما أنها خالية أيضا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحر، مثل الاستعانة على تطرية الزمن. فإن أهل باريس مثلا سهل عندهم رش ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإنهم يصنعون دنا عظيما ذا عجلات، ويمشون العجلة بالخيل؛ ولهذا الدن عدة بزابيز مصنوعة بالهندسة تدفع الماء بقوة عظيمة وعزم سريع، فلا تزال ماشية والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في نحو ربع ساعة لا يمكن رشها بجملة رجال في أبلغ من ساعة. ولهم غير ذلك من الحيل، فمصرنا أولى بهذا لغلبة حرها ... ومن الأمور المستحسنة أيضا أنهم يصنعون مجاري تحت الأرض توصل ماء النهر إلى حمامات أخرى وسط المدينة أو إلى صهاريج بهندسة مكملة، فانظر أين سهولة هذا مع صهاريج مصر بحمل الجمال، فإن ذلك أهون مصرفا وأيسر في كل زمن ... وفي هذه المدينة (أي باريس) عدة فسحات عظيمة تسمى المواضع يعني الميادين، كفسحة الرميلة بالقاهرة، في مجرد الاتساع لا في الوساخة، وعددها خمسة وسبعون ميدانا ... إلخ.»
هذه صورة قد تبدو عادية للقارئ المصري الحديث، ولكنها كانت غريبة الغرابة كلها لرفاعة وزملائه؛ فقد كانت الحياة في مصر في أوائل القرن الماضي تختلف عن مثيلتها في باريس اختلافا بينا، وهذه الصور لا تعدو أن تكون نماذج لما أثار انتباه رفاعة. أما الرحلة فمليئة بعشرات من الصور الأخرى، وكلها طريف يستحق القراءة والدراسة.
| دور التحصيل في باريس
في يوم الخميس السادس من شهر رمضان سنة 1241ه/14 أبريل 1826م أبحرت السفينة من الإسكندرية تحمل رفاعة وزملاءه. وفي التاسع من شهر شوال وصلت بهم إلى «مارسيليا»، ومذ وطئت قدما رفاعة أرض هذه المدينة بدأ يتعلم اللغة الفرنسية. يقول في رحلته: «وتعلمنا في نحو ثلاثين يوما التهجي.»