وقد حملته هذه المقارنات إلى عالم من الآمال العريضة، فهو كلما رأى خيرا تمناه لبلده ولمواطنيه. ورحلته إلى باريس معرض غني بهذه الصور وهذه المقارنات والآمال.
ترك رفاعة مصر والعلم فيها مقصور على رجال الدين من خريجي الأزهر - وهو واحد منهم - ولكنه ألفى العلم في باريس ميادين واسعة، له فروع كثيرة، وللفروع فروع، وهكذا ... وقد تخصص كل عالم في دراسة فرع من هذه الفروع فوهبه كل وقته وجهده فأنتج فيه وابتكر. ووجد أن علماء الدين ليست لهم المكانة الأولى كما هي الحال في مصر أو في بلدان العالم الإسلامي، فرسم لمواطنيه الصورة الجديدة للعلم والعلماء وكأنه يوحي إليهم في كل سطر من السطور بأن هذه هي الطريقة المثلى والصورة الحقة للعلم والعلماء. وفي رأيي أن محاولتنا وصف هذه الصور التي رسمها رفاعة قد تؤدي إلى تشويه معالمها. والخير كل الخير أن ننقل للقارئ بعض هذه الصور كما رسمها رفاعة بقلمه. قال مقارنا بين العلم والعلماء في مصر وفي باريس: «وأما علماؤهم فإنهم منزع آخر، لتعلمهم تعلما تاما عدة أمور، واعتنائهم زيادة على ذلك بفرع مخصوص، وكشفهم كثيرا من الأشياء، وتجديدهم فوائد غير مسبوقين بها، فإن هذه عندهم هي أوصاف العالم، وليس عندهم كل مدرس عالما، ولا كل مؤلف علامة، بل لا بد من كونه بتلك الأوصاف، ولا بد له من درجات معلومة، فلا يطلق عليه ذلك الاسم إلا بعد استيفائها والارتقاء. ولا تتوهم أن علماء الفرنسيس هم القسوس؛ لأن القسوس إنما هم علماء في الدين فقط، وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضا. وأما ما يطلق عليه اسم العلماء فهو من له معرفة في العلوم العقلية، ومعرفة العلماء في فروع الشريعة النصرانية هينة جدا، فإذا قيل في فرنسا: «هذا الإنسان عالم.» لا يفهم منه أنه يعرف في دينه، بل إنه يعرف علما من العلوم الأخر. وسيظهر لك فضل هؤلاء النصارى في العلوم عمن عداهم؛ وبذلك تعرف خلو بلادنا من كثير منها، وأن الجامع الأزهر المعمور بمصر القاهرة، وجامع بني أمية بالشام، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس، ومدارس بخارى، ونحو ذلك، كلها زاهرة بالعلوم النقلية، وبعض العقلية: كعلوم العربية ، والمنطق، ونحوه من العلوم الآلية. والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم، فهي دائما في الزيادة، فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئا جديدا، فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة، أو صناعات جديدة، أو وسائط، أو تكميلات ...»
وقال يصف انتشار الثقافة العامة بين أفراد الشعب الفرنسي كبارا وصغارا: «ثم إن الفرنسيس يميلون بالطبيعة إلى تحصيل المعارف، ويتشوفون إلى معرفة سائر الأشياء؛ فلذلك ترى أن سائرهم له معرفة مستوعبة إجمالا لسائر الأشياء، فليس غريبا عنها، حتى إنك إذا خاطبته تكلم معك بكلام العلماء ولو لم يكن منهم؛ فلذلك ترى عامة الفرنساوية يبحثون ويتنازعون في بعض مسائل علمية عويصة. وكذلك أطفالهم فإنهم بارعون الغاية من صغرهم ... فإنك قد تخاطب الصغير الذي خرج من سن الطفولية عن رأيه في كذا وكذا، فيجيبك، بدلا عن قوله «لا أعرف»: «أصل هذا الشيء ما معناه الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ونحو ذلك، فأولادهم دائما متأهلون للتعلم والتحصيل، ولهم تربية عظيمة، وهذا في الفرنسيس على الإطلاق »...»
وبعد هذه التقدمة انطلق رفاعة يصف دور الكتب ومعاهد العلم في باريس، فهو يلاحظ أن «لكل إنسان من العلماء أو الطلبة أو الأغنياء خزانة كتب على قدر حاله، ويندر وجود إنسان بباريس من غير أن يكون تحت ملكه شيء من الكتب؛ لما أن سائر الناس تعرف القراءة والكتابة ... إلخ ... إلخ.» وهو يعرض بعد هذا وصفا مسهبا لمعاهد العلم المختلفة، وكلها غريب عن مصر في ذلك الوقت، والمسميات غريبة عن اللغة العربية؛ لهذا بدأ رفاعة محاولاته لترجمة هذه المسميات، فهو يعرب بعضها تارة، وهو يرسم البعض الآخر كما هو تارة أخرى. فالدور التي نحفظ فيها النماذج والآثار، سميناها في القرن الماضي أسماء كثيرة، فكنا نطلق عليها دور العاديات أو دور الآثار ثم انتهينا إلى تسميتها بالمتاحف. أما رفاعة فقد سماها: «خزائن المستغربات»، وفسر اللفظ ليدل مواطنيه على معناه، فقال: «ويوجد بها ما تتشوق إليه نفوس الفضلاء، ليستعينوا به على الغرض في الطبيعيات، كالمعادن، والأحجار، والحيوانات البرية والبحرية المحفوظة الجثة ، وسائر المواليد من الأحجار والنباتات وسائر الأشياء التي فيها آثار القدماء ... إلخ.»