وفي سنة 1255ه/1839م اكتملت المدرسة، وأصبح بها 5 فرق ، وخرجت أول فريق من تلامذتها. وكان تلاميذ الفرقة الأولى (أي الأخيرة) «يترجمون كتبا في التاريخ والأدب، ويقوم على إصلاحها أستاذهم ومدير مدرستهم رفاعة رافع، ثم تقدم إلى المطبعة فتطبع وتنشر كتبا يقرؤها المدرسون والتلاميذ ...»
غير أن العناية بتدريس اللغات في مدرسة الألسن لم تكن في درجة واحدة؛ فقد كانت العناية كبيرة بتدريس اللغتين العربية والفرنسية؛ وذلك لأسباب واضحة، منها: أن كل التلاميذ كانوا من المصريين الذين يعرفون العربية ولا يعرفون التركية. ومنها أن ناظر المدرسة وأستاذها رفاعة كان يتقن هاتين اللغتين.
ومع هذا فقد درست اللغة الإنجليزية وقتا ما بمدرسة الألسن كما يقرر الدكتور عزت عبد الكريم، وقام على تدريسها مدرس إنجليزي، وقرأ التلاميذ قصصا وكتبا في قواعد اللغة الإنجليزية. وقد ذكر السيد صالح مجدي في كتابه «حلية الزمن» - عند كلامه عن تلاميذ رفاعة - أن من بين من نبغ في اللغة الإنجليزية من خريجي الألسن «محمد أفندي سليمان مدرس اللغة الإنجليزية بالمدارس الحربية، وأول من برع في الترجمة من الإنجليزية.» أما اللغة التركية فكانت العناية بها ضعيفة للأسباب السابقة، ولأنه «كان من الصعوبة بمكان أن تجد الحكومة مترجما يحذق اللغات العربية والتركية والفرنسية جميعا.»
2
مدرسو المدرسة
ذكر في لائحة المدرسة أن هيئة التدريس بها تتكون من: (1)
مديرها. (2)
مراقبان للمدرسة. (3)
أستاذان للغة العربية. (4)
أستاذ للغة التركية. (5)
ثلاثة أساتذة لتدريس اللغة الفرنسية والرياضة والتاريخ والجغرافيا. أما مدير المدرسة فهو زعيم النهضة العلمية في عصر محمد علي، العالم الكبير رفاعة رافع الطهطاوي، وقد كان من واجباته: (1)
أن يشرف على المدرسة من الناحيتين الفنية والإدارية. (2)
أن يدرس للتلاميذ الأدب والشرائع الإسلامية والغربية. (3)
أن يختار الكتب التي يرى ضرورة ترجمتها، ويوزعها على المترجمين من تلاميذ المدرسة وخريجيها الملتحقين بقلم الترجمة، ويشرف على توجيههم أثناء قيامهم بالترجمة، ويقوم بمراجعة الكتب وتهذيبها بعد ترجمتها. يقول حسن قاسم أحد خريجي الألسن في مقدمة كتاب «تاريخ ملوك فرنسا»: «ولما تم هذا التعريب لحظه بنظر التصحيح والتهذيب حضرة رفاعة بك ناظر مدرسة الألسن وقلم الترجمة، فشيد مبنى ألفاظه وأحكامه.» (4)
وكان رفاعة يرأس كل عام لجنة امتحان تلاميذ مكاتب المبتديان بالأقاليم، فيسافر إليها في النيل، ويمتحن تلاميذها، ويصطحب المتفوقين منهم ليلحقهم بالمدرسة التجهيزية الملحقة بمدرسة الألسن.
وكان إخلاص رفاعة لمهنته يدفعه إلى عدم التقيد بأوقات محددة للدراسة، فكان يستمر في الدرس ثلاث أو أربع ساعات ما دام يجد في نفسه رغبة وفي تلاميذه قبولا. يقول علي مبارك باشا: «كان دأبه في مدرسة الألسن، وفيما اختاره للتلاميذ من الكتب التي أراد ترجمتها منهم، وفي تأليفاته وتراجمه خصوصا، أنه لا يقف في ذلك اليوم أو الليلة على وقت محدود، فكان ربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء أو عند ثلث الليل الأخير، ومكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قدميه في درس اللغة أو فنون الإدارة أو الشرائع الإسلامية والقوانين الأجنبية، وله في الأولى مجاميع لم تطبع. وكذلك كان دأبه معهم في تدريس كتب فنون الأدب العالية، بحيث أمسى جميعهم في الإنشاءات نظما ونثرا أطروفة مصرهم، وتحفة عصرهم. ومع ذلك كان هو بشخصه لا يفتر عن الاشتغال بالترجمة والتأليف. وكانت مجامع الامتحانات لا تزهو إلا به.»
وقد أرهقت هذه الأعمال الكثيرة رفاعة فعين له ديوان المدارس مدرسا فرنسيا ليقوم بمساعدته في إدارة المدرسة والتفتيش على الدروس وأمانة المكتبة.