تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسوأ العهود التي مرت بمصر في تاريخها الطويل العهدان الروماني والعثماني، فقد اضمحلت في خلالها البلاد اضمحلالا تاما شمل نواحيها المختلفة، أما العهد العربي الأول فرغم أنه عهد تبعية فقد أنقذ مصر من ظلم الرومان وعسفهم، وحمل إلى مصر العدالة والإصلاح والنور والتوحيد عندما حمل إليها الإسلام.

فإذا استثنينا هذه العصور الثلاثة رأينا مصر مستقلة استقلالا يكاد يكون تاما في عهود الطولونيين والإخشيديين والأيوبيين، لا يشوب هذا الاستقلال إلا خيوط واهية تتمثل في الخطبة باسم الخليفة العباسي، وضرب السكة باسمه، وبعض المال الذي كان يرسل من فائض الميزانية إلى عاصمة الخلافة.

وكانت مصر بعد هذا مستقلة استقلالا تاما لا تشوبه شائبة في عهدي الفاطميين والمماليك.

نقول إن البحث العلمي الصحيح يثبت ما قلناه؛ لأننا يجب أن نزن الاستقلال بمقوماته في تلك العصور، لا بالمقومات التي أحدثتها العصور الحديثة؛ ففي تلك العصور كان الحكام يلون الحكم في مصر تبعا لنظم مصرية معترف بها، ولم يكونوا يولون ويعزلون بأوامر صادرة عن دولة أجنبية أخرى، وكانت الجيوش جيوشا مصرية، تدافع إذا دافعت عن مصر، وتفتح إذا فتحت باسم مصر، وكان الاستقلال الاقتصادي متوافرا، فالعملة مصرية لا ينقش عليها غير اسم حاكم مصر، وكانت الاتصالات الخارجية والمعاهدات والسفارات تتبادل باسم مصر لا باسم غيرها من الدول.

ولم يكن يشوب هذا الاستقلال - فيما يدعي البعض - إلا أن بعض الحكام كانوا أصلا من أجناس غير مصرية، وهذه الحقيقة الصغيرة هي التي اعتمد عليها الأوروبيون فضخموها، وعلى أساسها حكموا حكمهم الخاطئ، أن مصر لم تتمتع يوما ما بالاستقلال.

ولكن هذه الحقيقة الصغيرة مع هذا لا تعيب استقلالنا ولا تخدشه؛ فأي أسرة من الأسر الحاكمة في الدول الأوروبية في العصور الوسيطة والحديثة كانت تنتسب للشعب الذي تحكمه انتسابا نقيا خالصا؟ إن نابليون الذي يعتز به الفرنسيون حتى اليوم لم يكن فرنسيا، بل هو من أهل جزيرة كورسيكا، والأسرة الحاكمة الحالية في إنجلترا ترجع إلى أصل جرماني، وهتلر زعيم ألمانيا السابق من أصل نمساوي، والأمثلة غير هذه كثيرة.

فإذا أضفنا إلى هذا أن مدلول الوطنية في العالم الإسلامي في العصور الوسطى كان يصطبغ بالصبغة الدينية، عرفنا أن استقلال مصر في تلك العصور لم يكن في مفهومه المتعارف وقتذاك ينقصه أي مقوم من مقومات الاستقلال، فالمسلم الصيني - على سبيل المثال - كان إذا حل في الشام أو في مصر أو في المغرب لم يشعر أنه غريب، ولم يشعره أهالي تلك البلاد أنه غريب، بل كان يعتبر نفسه في وطنه أينما حل.

فانتماء الخلفاء الفاطميين إلى الجنس العربي، أو على الأصح انتماء أولهم المعز لدين الله إلى الجنس العربي، لا يعيب استقلال مصر في العصر الفاطمي المزدهر الحافل بكل علائم التقدم والحضارة، وإذا كان المعز عربيا فإن من تبعه من أولاده وأحفاده كانوا مصريين لحما ودما، ولدوا في مصر، ونشئوا في مصر، وقادوا الجيوش باسم مصر، وحكموا إمبراطورية مصرية مترامية الأطراف؛ حتى لقد كان المؤرخون المسلمون يسمون الدولة الفاطمية دولة الخلفاء المصرية.

وعندما خرج صلاح الدين إلى الجهاد الأكبر ضد الصليبيين الذي توج بانتصاره الحاسم في وقعة حطين التي مهدت له الطريق لاستعادة بيت المقدس وتحرير فلسطين، فإنه كان يحارب بالجيوش المصرية وباسم مصر التي هو سلطانها.

وعندما صمد الملك الكامل محمد أو الملك الصالح نجم الدين أيوب للغارات الصليبية التي هددت مصر حتى انتصرا عليها ورداها خائبة، فإنهما كانا يدافعان عن أرض الوطن بجيوش الوطن.

يضاف إلى هذا أن مصر امتازت في كل عصورها بخاصة مميزة، فهي قادرة دائما على هضم كل غريب وصهره في بوتقتها وتمصيره تمصيرا تاما في وقت قصير.

قصة الاحتلال · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصة الاحتلالص ٢