أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه
الاستعمار البريطاني ليس وليد القرن التاسع عشر
أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه
الاستعمار البريطاني ليس وليد القرن التاسع عشر
| قصة الاحتلال
| قصة الاحتلال
تأليف
جمال الدين الشيال
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمده جل شأنه على عظيم نعمه وكريم آلائه، وبعد.
فتحتفل البلاد اليوم بمناسبة من أجل مناسباتها القومية، بل إنها أجلها جميعا، وهي تمام جلاء المحتل واستكمال تحرير الوطن.
وإذا كان يحق للمصريين كافة أن يفرحوا بهذا العيد - عيد الجلاء - ويحتفلوا به، فإن للإسكندرية مع الاحتلال شأنا يقتضيها أن تكون فرحتها مضاعفة، فهي أول بلد ابتلي بالاحتلال واكتوى بناره، وقد تلقت الضربات الأولى لقوى العدوان الغاشمة فتحملتها مجاهدة صابرة.
ولقد رأت جامعة الإسكندرية أن تسهم في هذا الاحتفال بما يتفق ورسالتها الثقافية والتعليمية، فأعدت «قصة الاحتلال» لنشرها بين جمهور المواطنين عبرة وعظة، وتخليدا لذكرى من قضى من الأبطال المجاهدين، وتحية وتقديرا لمن تحقق النصر على أيديهم من رجال الثورة الأبطال وفي مقدمتهم السيد الرئيس «جمال عبد الناصر».
والله نسأل أن يجعل هذا النصر فاتحة لعهد تقدم ورخاء لوطننا الكريم، إنه نعم المولى ونعم النصير.
مدير الجامعة
السيد مصطفى السيد
الإسكندرية في 9 من ذي القعدة سنة 1375 /18 من يونيو سنة 1956
| أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه
لقد جاهدنا من أجل هذا اليوم جهادا مريرا.
وكنا إذا ادلهمت الخطوب، أو تكاثرت السحب، أو نال منا التعب، نظرنا إلى الأفق البعيد نستشف من ورائه صورة هذا اليوم الحبيب، وناجينا الله سبحانه متسائلين: «يا رب، أما لهذا الليل من آخر؟»
واليوم وقد انجابت سحب الماضي البغيض، وأخذنا الأهبة لاستقبال تباشير الفجر الجديد، فجر الحرية الكاملة والاستقلال التام، يجب ألا ننسى، يجب ألا ننسى الماضي مهما كان كريها؛ فالوطن، كما قال بطل الجلاء الرئيس جمال، ماض وحاضر ومستقبل. فنحن في حاضرنا نستقبل عيد الحرية الأكبر ونتطلع إلى مستقبل مزدهر باسم، ومن واجبنا ألا ننسى الماضي، من واجبنا ألا ننسى ما فعله بنا الاستعمار.
لقد ذقنا من هذا الاستعمار مرارة الصاب والعلقم، وأخشى ما أخشاه أن تسري النشوة الحلوة في ألسنتنا فتنسينا طعم هذا الصاب والعلقم، فلا نكون حريصين على نعمة الحرية، ولا نبذل الجهد في الاحتفاظ بها، ولا نستميت في الدفاع عنها.
ولعل أسوأ ما رمانا به الاستعمار هو سعيه الدائب أن يفقدنا الإيمان بالوطن وأن يزعزع ثقتنا بأنفسنا، فقد حرص الاحتلال منذ اللحظة الأولى على أن يشيع في المصريين بعض الأكاذيب التي اتخذ لها ثوبا علميا، من هذه الأكاذيب الشائعة التي ظل يرددها المستعمرون، والتي رددها المصريون - للأسف - بعده ردحا طويلا من الزمن أن مصر منذ عهد الفراعنة لم تكن دولة مستقلة، بل كانت دائما محتلة يتوالى على حكمها الولاة من كل شعب وجنس.
وهذه الأكذوبة لم تتردد في المؤلفات الأوروبية التي كتبت عن تاريخنا، وفي الكتب المدرسية المصرية - إلى عهد قريب - عبثا، بل لقد كان الهدف من ترديدها أن تصبح حقيقة ثابتة وأن تتغلغل في نفوس الشباب المصري حتى يستكين ويذل، وحتى يفقد الثقة في نفسه والإيمان بوطنه، وعلى مصر وعلى هذا الشباب العفاء إن هو فقد هذه الثقة وهذا الإيمان.
والتاريخ السليم، والبحث العلمي الصحيح يثبت خطأ هذه الأكذوبة؛ فمصر حقيقة قد فقدت استقلالها في بعض العصور، شأنها في ذلك شأن غيرها من الدول، ولكن هذه العصور لا تعتبر شيئا مذكورا إذا هي قورنت بالعصور الأخرى الطويلة التي تمتعت فيها بالاستقلال.
فقدت مصر استقلالها منذ عهد الفراعنة إلى الآن ثلاث مرات: في العهد الروماني، وفي العهد العربي الأول، وفي العهد العثماني (والاحتلال البريطاني ما هو إلا امتداد للاحتلال العثماني)، وذلك عدا فترات قصيرة أخرى غزا مصر فيها الغزاة، ولكنهم ما لبثوا أن جلوا عنها سريعا كما حدث في الغزو الفارسي.