تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي عهد العادل أبي بكر - أخي صلاح الدين - أرسل في سنة 599 - وهو بالشام - جندا من رجالها لحفظ دمياط من الفرنج. (4-2) في عهد الملك الكامل محمد

وفي أواخر عهد الملك العادل أبي بكر أصاب الحروب الصليبية انقلاب جديد خطير؛ فقد لاحظ الصليبيون أن مصر هي حصن الإسلام القوي وضيعته الغنية، وأنها مصدر الأمداد القوية الوفيرة من الرجال والميرة والسلاح، وبفضل هذا كله استطاع صلاح الدين أن ينتصر عليهم انتصاراته الحاسمة، ويستعيد منهم بيت المقدس والكرك والشوبك وغيرها من عشرات المدن والقرى؛ لهذا كله قر رأيهم على أن يبدءوا بمصر، فإذا استولوا عليها فقد سهل عليهم كل شيء، واستطاعوا في يسر أن يستعيدوا بيت المقدس، بل ويملكوا الشام كله.

بدءوا هذا الاتجاه في سنة 615 / 1218م والملك العادل يناضلهم في الشام، وفي مصر ابنه الملك الكامل محمد ينوب عنه في الحكم.

واتخذ الصليبيون لهذا الأمر عدته، ووصلتهم الأمداد الوفيرة من ممالك أوروبا المختلفة، فلما تكامل عددهم أبحروا - بقيادة جان دي بريين ملك بيت المقدس - من عكا إلى دمياط في أسطول ضخم كثير العدد يحمل نحو السبعين ألف فارس وأربعمائة ألف رجل، ووصلوا إلى شواطئ دمياط، ونزلوا ببرها الغربي يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول من سنة 615 (يونيو 1218م)، وكان هذا البر الغربي يسمى جزيرة دمياط وهي تسمية مجازية لأن مياه البحر تحيط به شمالا، ومياه النيل تحيط به شرقا، كما كان يسمى أيضا جيزة دمياط، والجيزة في اللغة الناحية، أو لعله سمي كذلك لأنه يجاز إليه من دمياط.

وعسكر الصليبيون في جموعهم الحاشدة بهذا البر الغربي تجاه دمياط وحصنوا معسكرهم، فحفروا حوله خندقا وأحاطوه بسور وستائر.

وكانت دمياط - كما سبق أن أسلفنا - مدينة حصينة غاية الحصانة تحيط بها الأسوار والقلاع والأبراج القوية الضخمة، ويحيط بهذه الأسوار الخندق الذي أنشئ في أواخر عهد صلاح الدين، وكان عند مدخل فرع دمياط برج ضخم مشحون بالمقاتلة والسلاسل الحديد المتينة تمتد منه إلى برج مقابل على شاطئ دمياط لمنع سفن العدو من العبور في النيل والوصول إلى المدينة، وكان هذا البرج هو مفتاح دمياط، لا يمكن للصليبيين الوصول إليها إلا إذا استولوا عليه؛ ولهذا توفرت جهودهم كلها في أول الأمر للاستيلاء على هذا البرج المنيع، واستعانوا لتحقيق هذا الهدف ببناء أبراج خشبية عالية أقاموها على سفنهم وتقدموا بها إلى البرج لمحاربة جنده وحاميته، ولكن هؤلاء الجند استطاعوا أن يردوهم أكثر من مرة.

الفرنج ينزلون بدمياط في عهد الملك الكامل.

ووصلت أخبار نزول الصليبيين إلى بر دمياط الغربي إلى الملك الكامل؛ فخرج بجيشه متجها إلى الشمال، وأرسل الأساطيل إلى دمياط، وأمر الولاة بجمع العربان، ونزل الكامل بمنزلة العادلية قرب دمياط، وعسكر بها، هذا والملك العادل يرسل إليه المدد تلو المدد من الشام ليستعين بها جميعا في محنته.

وظل البرج يقاوم ويمانع أربعة أشهر طوالا، وأخيرا بنى الفرنج برجا عاليا ضخما وأقاموه على بسطة كبيرة، وتقدموا به تحت وابل من سهام المصريين إلى أن أسندوا برجهم إلى البرج المدافع، وقاتلوا به قتالا عنيفا إلى أن استولوا على برج دمياط.

وكان استيلاؤهم على هذا البرج حادثا خطيرا أليما؛ فقد سهل لهم الاستيلاء على المدينة بعد ذلك . ويكفي للدلالة على خطورة هذا الحادث أن نذكر أن الملك العادل عندما سمع بخبره وهو مقيم بمرج الصفر بالشام تأوه تأوها شديدا، ودق بيده على صدره أسفا وحزنا، ومرض من ساعته، ثم لم يلبث أن مات من حسرته بعد أيام.

وخلص ملك مصر للملك الكامل محمد، فاشتد ثقل العبء الملقى على كتفيه؛ لأن الصليبيين أقدموا بعد استيلائهم على البرج فحطموا سلاسله لتجوز مراكبهم في نهر النيل، فاضطر الكامل لإقامة جسر عظيم جنوبي البرج لمنعهم، ولكنهم قاتلوا عليه قتالا شديدا إلى أن قطعوه. ويقال إن الكامل صرف على البرج والجسر في ذلك الوقت ما ينيف على سبعين ألف دينار، ثم لم ييئس، وإنما أمر أن تغرق عدة من السفن في عرض النيل تمنع سفن الصليبيين من العبور جنوبا، واحتال الفرنج على هذا الإجراء الأخير حيلة ماكرة؛ فقد كان هناك على البرج الغربي خليج قديم يعرف بالخليج الأزرق، كان يجري فيه النيل فيصب في البحر ولكن الرمال طمرته، فأعادوا حفره، وأصعدوا فيه سفنهم حتى وصلت إلى مدينة بورة التي تقابل منزلة العادلية حيث يعسكر الكامل بجيوشه، وبدأت المناوشات بين الجيشين.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّاص ٧