تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واجه صلاح الدين هذه الشدة العظمى في دمياط وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى نحو ملك مصر؛ لهذا نجده يعنى بهذا الثغر وبتحصينه - في قابل أيامه - عناية خاصة، ففي الثاني والعشرين من شعبان سنة 572 (فبراير 1177م) - وقد استقل صلاح الدين بمصر - خرج من القاهرة فقصد إلى دمياط لزيارتها، وكان في صحبته ولداه: الأفضل علي، والعزيز عثمان، وكاتبه العماد الأصفهاني، فمكث بالمدينة يومين ثم رحل منها إلى الإسكندرية، وقد حدد العماد الأصفهاني الغرض من هذه الزيارة بقوله: «ورأى (أي صلاح الدين) في الحضور بالثغر المذكور ومشاهدته الاحتياط.» كما ذكر أن سفن الأسطول بدمياط كانت قد خرجت للغزو وعادت بسبي كثير، قال: «وكان له سبي كثير جلبه الأسطول.»

وفي سنة 577 (1181-1182) كان قد مضى على صلاح الدين منذ استقل بمصر عشر سنوات، وأراد أن يرحل إلى الشام ليوفر جهوده كلها لتحقيق هدفه الأسمى وهو محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد الإسلامية، ولكنه أراد - قبل أن يغادر مصر - أن يستوثق من مناعتها وقوة حصونها وثغورها، ففي هذه السنة بدأ بناء قلعة الجبل بالقاهرة، وفيها (في ربيع الأول) أغار الفرنج على تنيس واغتصبوا مركبا للتجار؛ فاشتد خوف أهلها، وأرسل السلطان رجاله لعمارة قلعة تنيس وتجديد الآلات بها، فقدروا «لعمارة سورها القديم على أساساته الباقية مبلغ ثلاثة آلاف دينار.» وفيها أيضا انتشر الخبر بأن (الابرنس أرناط) صاحب الكرك على عزم الخروج إلى أيلة ومنها إلى تيماء رغبة في الاستيلاء على المدينة المنورة «فورد الخبر من نائب قلعة أيلة بشدة الخوف من الفرنج.»

واتخذ صلاح الدين لهذا الخطر عدته، فاستدعى خمسين مركبا من مراكب دمياط لتشارك في حماية ساحل مصر (الفسطاط)، وأمر ببناء برج في السويس فيه الفرسان لحفظ طريق الصعيد، وأمر بعمارة قلعة تنيس وأسوارها - كما سبق أن ذكرنا - وكتب إلى دمياط بترتيب المقاتلة على البرجين، ورم شعث سور المدينة، وسدت ثلمه، وأتقنت السلسلة التي بين البرجين، يقول المقريزي: «فبلغت النفقة على ذلك ألف ألف دينار.»

وفي شعبان من نفس السنة شرع في إصلاح سور دمياط وبناء ما تهدم منه، وكان ذرع هذا السور كما نص المقريزي: «أربعة آلاف وستمائة وثلاثون ذراعا» كما شرع في بناء برج جديد بالمدينة.

ولم يقنع صلاح الدين بهذه الأوامر يصدرها، وإنما رحل بنفسه في شهر شوال إلى مدينة الإسكندرية فأشرف على حصونها وأسوارها، وتركها في أول ذي القعدة، فسار إلى دمياط وأشرف بنفسه أيضا على ما تم من إصلاح أسوارها وتحصين قلاعها وأبراجها وسلسلتها ثم عاد إلى القاهرة.

وظلت العناية بدمياط وتنيس دائبة مستمرة حتى آخر سنة من حياة صلاح الدين، ففي سنة 588 - أي قبل وفاته بسنة واحدة - صدر الأمر بإخلاء تنيس ونقل أهلها إلى دمياط، فخلت تنيس إلا من المقاتلة، كما صدر الأمر بحفر خندق حول دمياط وعمل جسر عند سلسلة البرج بها.

هذه هي دمياط حتى آخر عهد صلاح الدين، قد عني بتحصينها العناية الفائقة فحفر حولها خندق يحميها، ورممت أسوارها ترميما شاملا، وبني بها برج جديد، وجددت سلسلتها، وبني عندها جسر لحمايتها، وشدت إليها السفن لتقاتل عنها المغيرين، وشحنت هذه الحصون جميعا بالمقاتلة، وزيد عددهم، وزادت النفقة عليهم.

ولم تنقطع العناية بدمياط في عهد خلفاء صلاح الدين، بل استمرت وزادت، فالمؤرخون يروون أن العزيز بن صلاح الدين، عزم في ذي الحجة من سنة 592 (أكتوبر 1195) «على نقض الأهرام ونقل حجارتها إلى سور دمياط، فقيل له: إن المئونة تعظم في هدمها والفائدة تقل من حجرها، فانتقل رأيه من الهرمين إلى الهرم الصغير وهو مبني بالحجارة الصوان، فشرع في هدمه.» ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا بعد هذا هل نقلت حجارة هذا الهرم الصغير فعلا لتحصين سور دمياط أو أنها استخدمت في أغراض أخرى.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّاص ٦