تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي اليوم التالي استطاع الفرنسيون أن ينزلوا الجند إلى البر - بعيدا عن معسكر المصريين - وبدأت المناوشات بين الجيشين.

جنود لويس التاسع يدخلون دمياط ويحيلون جامعها كنيسة.

وهكذا بدأت المعركة: الجيش المصري كبير العدد وافر العدة - كما وصفه الفرنسيون أنفسهم - ودمياط على الشاطئ الشرقي مدينة مسورة حصينة قوية قد شحنت بالجند والأقوات والأسلحة؛ لأن السلطان لم ينس أن هزيمتها السابقة إنما كان سببها انعدام الأقوات بعد طول الحصار، فلو أن الأمور سارت سيرا طبيعيا لاستطاع المصريون أن يهزموا هذه الحملة - رغم قوتها وكثرة جندها - ويردوها عن مصر في يسر وسهولة، ولكن الحوادث تطورت تطورا آخر.

فكما أن مؤامرة ابن المشطوب كادت تنزل الهزيمة بالجيش المصري وتوقع الفرقة والاضطراب بين جنوده في عهد الكامل، كذلك جد في حوادث هذه الحملة حادث خطير كاد ينتهي بها إلى نفس النتيجة.

كان السلطان الملك الصالح نجم الدين مريضا - كما ذكرنا - ومقيما في أشموم طناح، وقد اشتد به المرض حتى أصبح على شفا حفرة من الموت، فلما وصلت السفن الفرنسية إلى شاطئ دمياط أطلق الأمير فخر الدين الحمام الزاجل يحمل النبأ إلى السلطان، وتعددت رسائله دون أن يتلقى ردا، فأدرك أن السلطان قد مات، فانتظر حتى وافى الليل وانسحب بجيشه كله من الشاطئ الغربي إلى دمياط، ثم تركها وسار جنوبا متجها إلى معسكر السلطان عند أشموم طناح، وأعمته العجلة فلم يحطم الجسر الذي كان يصل بين الشاطئين الشرقي والغربي فتركه كما هو.

ونظر أهالي دمياط فوجدوا الجيش الذي أتى لحمايتهم قد غادر المدينة، فخافوا على أرواحهم وخرجوا في الليل تاركين مدينتهم وأموالهم وديارهم «ولحقوا بالعسكر في أشموم طناح وهم حفاة عرايا جياع حيارى بمن معهم من النساء والأولاد، وفروا هاربين إلى القاهرة، فأخذ منهم قطاع الطرق ما عليهم من الثياب وتركوهم عرايا.»

ومع أن السلطان كان في أشد حالات المرض فقد غضب على فخر الدين ومن كان معه من القواد غضبا شديدا، وأنبه على فعلته، وأمر بشنق خمسين أميرا من أمراء الكنانية الذين كانوا يتولون الدفاع عن المدينة، وكاد يأمر بقتل فخر الدين نفسه، غير أن الوقت كان حرجا فكتم غيظه إلى أن تنكشف الغمة، وأصبح الفرنسيون فوجدوا معسكر المصريين خلاء فظنوها مكيدة، فأرسلوا كشافتهم يستطلعون، ولشد ما كانت دهشتهم عندما وجدوا الجسر قائما والمدينة خالية تماما من الجنود والأهلين، فعبر الجيش الفرنسي إليها واستولى عليها دون عناء، وفرح بها الفرح كله فقد كانت مشحونة كما ذكرنا بالعتاد والمئونة.

كان الملك لويس يستطيع أن يتقدم في هذه اللحظة نحو الجنوب قبل أن يفيق المصريون من الارتباك الذي حل بهم، ولو أنه اتبع هذه الخطة لكتب له النصر، غير أنه تلكأ في دمياط مدة تقرب من الستة شهور ينتظر وصول بقية سفنه التي جنحت بها الريح نحو شواطئ سوريا، هذه المدة كانت كافية تماما لأن يتم فيها المصريون استعدادهم ويستعيدوا نشاطهم ويجمعوا صفوفهم.

ولما وصلت السفن الشاردة دعا الملك لويس التاسع قواده للتشاور ولاختيار الطريق الذي يسلكونه، أيتجهون نحو الإسكندرية أم يسيرون قدما إلى القاهرة؟ وأشار الكونت بيتر البريطاني

Count Peter of Brittany

ومعظم قواد الجيش بالمسير إلى الإسكندرية والاستيلاء عليها أولا، وكانت حجتهم معقولة وصحيحة من الناحية الحربية، وتتلخص في أن الإسكندرية كميناء تفضل دمياط في كثير؛ فهي أصلح لإيواء سفنهم، وإليها يستطيع أسطولهم أن يصل بالميرة من بلادهم في وقت قصير وجهد قليل، غير أن الكونت أرتوا

Artois - أخو الملك لويس - عارض هذا الرأي ونصح الملك بالاتجاه مباشرة نحو القاهرة للاستيلاء عليها، وحجته في ذلك أن القاهرة هي عاصمة الديار المصرية كلها، فالاستيلاء عليها يستتبع حتما الاستيلاء على مصر كلها، وأضاف إلى هذا قوله: «إذا أنت أردت قتل الأفعى فاضربها على رأسها.» واحتدم النقاش، وانتهى بإعراض الملك عن رأي قواده، وأخذه برأي أخيه، وتقرر بذلك مسير الجيش الفرنسي جنوبا نحو القاهرة، فكان هذا القرار حلقة جديدة في سلسلة الأخطاء التي انتهت بفشل الحملة.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّاص ١١