مواقعها منا، فإن عاودوا عدنا
منحناهم منا حياة جديدة
فعاشوا بأعناق مقلدة منا
ولو ملكونا لاستباحوا دماءنا
ولوغا، ولكنا ملكنا فأسجحنا (4-3) في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب
باءت حملة «جان دى بريين» بالفشل، ولكن الصليبيين لم ينسوا مشروعهم الجديد الذي كان يهدف إلى الاستيلاء على مصر ليسهل عليهم تحقيق أملهم، وهو امتلاك بيت المقدس وأراضي الشام جميعا.
لهذا لم يكد يمضي على الحملة السابقة ثلاثون عاما حتى أعدوا العدة للانقضاض على دمياط مرة ثالثة، ولم تأت الحملة هذه المرة من سواحل الشام، وإنما أتت من فرنسا، ففي 25 أغسطس سنة 1248م/4 جمادي الأولى سنة 646 أبحر من مياه فرنسا أسطول ضخم يزيد على 1800 سفينة تحمل ثمانين ألف مقاتل ومعهم عدتهم وسلاحهم ومئونتهم وخيولهم، وكان قائد هذه الحملة الملك القديس لويس التاسع ملك فرنسا.
ومرت هذه الحملة - في طريقها إلى مصر - بجزيرة قبرص، فقضت بها بعض الوقت وقد أخطأت في هذا؛ لأنها لو اتخذت طريقها إلى مصر دون تلكؤ لفاجأت الجيش المصري قبل أن يستعد ويتخذ للحرب أهبته.
ثم أقلعت الحملة من قبرص، ودمياط قبلتها، ولكن رياحا عاصفة اعترضتها في طريقها، فاضطرت عددا كبيرا من سفنها - نحو 700 سفينة - إلى الانفصال والجنوح إلى شواطئ الشام.
وكانت علاقات الود والإخاء تربط بين ملوك الأيوبيين - منذ عهد الملك الكامل - وبين ملوك صقلية النورمانديين، ويقال إن ملك صقلية في ذلك الوقت - الملك فردريك الثاني - أرسل أحد رجاله متخفيا في زي تاجر إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب - وكان مقيما في الشام حينذاك - ليبلغه نبأ هذه الحملة كي يستعد لمقابلتها.
وكان الملك الصالح مريضا مرضا خطيرا يعوقه عن ركوب فرسه، غير أنه انزعج لهذا الخبر، ولم يبال بآلام مرضه، وأمر أن يحمل في محفة، وعاد مسرعا إلى مصر، ونزل عند قرية أشموم طناح في المحرم سنة 647 (أبريل 1249م) وأصدر أوامره في الحال بالاستعداد.
حملة لويس التاسع تغادر فرنسا إلى دمياط.
فشحنت دمياط بالأسلحة والأقوات والجنود، وبعث إلى نائبه في القاهرة - الأمير حسام الدين بن أبي علي - يأمره بإعداد سفن الأسطول، ففعل وأرسلها إلى دمياط شيئا بعد شيء، ثم أرسل الملك الصالح الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ على رأس جيش كبير ليعسكر في البر الغربي لدمياط ليكون في مقابلة الفرنج إذا قدموا.
هذه الحوادث الأولى وحوادث الحملة جميعا تدل على أن المصريين أفادوا كل الفائدة من الحملة الماضية، كما تدل على أن الصليبيين لم يفيدوا شيئا من أخطائهم في الحملة السابقة، فقد أدرك المصريون أن حملة جان دي بريين قد نزلت أول ما نزلت على الشاطئ الغربي لدمياط؛ ولذلك أمر الملك الصالح جيشه بأن يعسكر على هذا البر ليمنع نزول الصليبيين عليه، وقد كان السبب الأكبر في فشل الحملة الأولى أنها نزلت على دمياط وأرادت الوصول إلى القاهرة بالمسير بمحاذاة فرع دمياط فاعترضتها المجاري المائية الكثيرة المتفرعة عن هذا الفرع، وكان يمكنهم أن يتفادوا هذا الخطأ في محاولتهم الثانية فينزلوا على الإسكندرية ولكنهم لم يفعلوا.
وفي الساعة الثانية من نهار الجمعة لتسع بقين من صفر سنة 647 (يونيو 1249) وصلت سفن الفرنسيين إلى الشاطئ المصري وأرست بإزاء المسلمين، فراعهم كثرة الجيوش المصرية على الشاطئ، كما خطف بأبصارهم بريق أسلحة المسلمين، وعلا صهيل خيولهم وزادت جلبة جندهم، فأفزع الفرنسيين وهم لا يزالون في سفنهم. يصف «جوانفيل» - مؤرخ الحملة وأحد قوادها - الرهبة التي ملكت على الفرنسيين أنفسهم عند رؤية الجيش المصري فيقول: «وصل الملك أمام دمياط، ووجدنا هنا كل جيوش السلطان تقف علي الشاطئ: كتائب جميلة تسر الناظرين، ذلك أن أسلحة السلطان قد صنعت من ذهب، فكانت الشمس تشرق على هذه الأسلحة فتزيدها بريقا ولمعانا، وكانت الجلبة التي يأتون بصنوجهم وأبواقهم الشرقية تدخل الرعب في أفئدة السامعين.»