تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسرته من نابلس أصلا، ولكنها انتقلت إلى دمشق، واستقرت بها قبل مولده بسنوات طويلة، وبرز من أفرادها كثيرون، نبغوا في ميادين العلم والدين والأدب؛ فالمحبي ترجم لجده في كتابه «خلاصة الأثر، 2 / 433» ووصفه بأنه «شيخ مشايخ الشام.»

وكانت الأسرة شافعية المذهب، غير أن أباه إسماعيل تحول إلى المذهب الحنفي، وكذلك كان عبد الغني.

وقد شغف عبد الغني - منذ صباه - بالتصوف، وراقته حياة الزهد والعبادة، فاتصل بشيوخ الطريقتين: القادرية والنقشبندية، ولم ينصرف في شبابه إلى ما كان ينصرف إليه أنداده من حياة اللهو والمتعة، وإنما اتخذ لنفسه خلوة في منزله، ولزم هذه الخلوة سبع سنوات طوالا، عكف في أثنائها - إلى جانب صلاته وتعبده - على دراسة مؤلفات ثلاثة من كبار المتصوفة الذين مزجوا الفلسفة بالتصوف، وهم: محيى الدين بن عربي وابن سبعين وعفيف الدين التلمساني.

وكان عبد الغني أديبا مرهف الحس وشاعرا مطبوعا؛ ولهذا كان الشعر في معظم الأحوال وسيلته للتعبير عن نفسه، وعن أحاسيسه الدينية والصوفية، وقد بدأ في شبابه، فنظم قصيدة طويلة في مدح الرسول أسماها «البديعيات» وهي أول إنتاجه الفكري.

وأعجب الناس بالبديعية إعجابا شديدا؛ فقد كانت قصيدة قوية معبرة رائعة؛ ولهذا ساورهم الشك أن يكون عبد الغني هو ناظمها ومنشئها، ولكن عبد الغني استطاع أن يسكت هذا الشك حين ألف شرحا لقصيدته.

وكان النابلسي محبا للرحلة، وله رحلات كثيرة زار فيها معظم أجزاء العالم الإسلامي، فكانت رحلته الأولى إلى إستانبول عاصمة الدولة في سنة 1075ه/1664م وهو بعد في الخامسة والعشرين من عمره.

وبعد خمس وعشرين سنة أخرى - أي في سنة 1100ه/1688م - زار البقاع ولبنان.

وفي سنة 1101ه/1689م زار بيت المقدس.

وفي سنة 1105ه/1693م زار مصر والحجاز.

وفي سنة 1112ه/1700م زار طرابلس الشام.

وفي كل هذه الرحلات، وفي كل هذه الأقطار والبلدان التي زارها كان دائم الصلة بالعلماء والمتصوفة يأخذ عنهم ويأخذون عنه، وقد ألف النابلسي كتبا كثيرة في وصف هذه الرحلات، غير أنه لم يعن في هذه الرحلات بوصف المدن والمشاهد والأماكن التي زارها من النواحي التاريخية والجغرافية والأثرية والطبوغرافية، وإنما عني - شأنه في ذلك شأن غيره من الرحالة في العصر العثماني - بوصف تجاريبه الصوفية الشخصية، واتصالاته بأعلام الفكر والأدب والتصوف الذين قابلهم؛ فرحلاته لهذا تلقي أضواء كثيرة على الحياتين: الثقافية والدينية في بلدان الشرق الإسلامي على عصره، وقد كانت هذه الرحلات أنموذجا احتذاه الرحالة من العلماء والأدباء الذين أتوا بعده، وخاصة تلميذه الرحالة والعالم الدمشقي مصطفى البكري، والرحالة والأديب المصري أسعد اللقيمي.

ويعتبر الشيخ عبد الغني بحق «شيخ مشايخ الشام» في عهده، وقد وصفه تلميذه المرادي في ترجمته له بأنه «أعظم من ترجمته علما وولاية وزهدا وشهرة ودراية»، والمرادي صادق في وصفه؛ فقد تتلمذ على النابلسي كل علماء عصره، فما منهم إلا من أخذ عنه أو حضر دروسه أو قرأ عليه أو كان من مريديه.

وقضى الشيخ عبد الغني حياته كلها إماما متعبدا أو مدرسا أو مؤلفا؛ ولهذا كثرت مؤلفاته، فبلغت نحو المائتين أو المائتين وخمسين مؤلفا، ونستطيع أن نصنف هذه المؤلفات إلى مجموعات ثلاث:

كتب في التصوف.

دواوين شعرية.

كتب في الرحلات.

أما كتبه الصوفية فإنه لم يأت فيها بجديد، وإنما هي في معظمها تعليقات وشروح لكتب نفر من كبار الصوفية السابقين؛ من أمثال ابن عربي، والجبيلي، وابن الفارض، وهو في هذه الشروح لا يلخص أو يجمل آراء هؤلاء المتصوفة السابقين، ولكنه يفسرها ويشرح غامضها، ويأتي في هذا التفسير والشرح بكثير من الجديد الذي يعتبر مرجعا هاما لدراسة آرائه الدينية والفقهية بوجه عام.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٥٥