تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخير هذه الكتب هو «تذكرة داود» لصاحبها داود الأنطاكي، وهو طبيب ضرير، ولد في أنطاكية، وفيها درس الطب وعلوم الأوائل واللغة اليونانية على رجل من العجم كان قد وفد على بلدته، ثم رحل داود بعد ذلك إلى دمشق، واستقر في القاهرة سنين طويلة، وزار مكة أخيرا، وبها توفي سنة 1008ه.

وكانت مهنة الطب تورث - كبقية المهن - في معظم الأحوال، ومع هذا لم يكن غريبا أن تجد قاضيا أو عالما يعين رئيسا للأطباء.

والظاهرة الجديدة أن المجتمع في مصر بدأ يستعمل - إلى جانب الطب العربي المعتمد على الطب اليوناني القديم - نوعا جديدا عرف بالطب النبوي، وهو أشتات من المعلومات القائمة على دراسة الإشارات الطبية والصحية الواردة في الأحاديث النبوية.

وقد أورد العالم الفرنسي «روييه

Rouyer » معلومات كثيرة عن حالة الطب في مصر

3

في أواخر القرن الثامن عشر في الفصل الذي كتبه في كتاب

Description de l’Egypte I, 1217-32 ، وعنوانه:

Notice sur les Médicamens Usuels des Egytiens .

وتبعا لهذا؛ تأخر علم الصيدلة والأقرباذين، كما تدهورت أحوال المستشفيات وأصبح البيمارستان يستعمل مستشفى للعلاج ومصحة للأمراض العقلية، وظهرت طبقة من الحلاقين الصحيين تمارس العلاج والجراحة، ولم تكن الحالة في سوريا تختلف كثيرا عنها في مصر.

ولكن في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر بدأ يظهر في القاهرة عدد من الأطباء الأوروبيين وعدد من الصيدليات الأوروبية، ويذكر

Rouyer (ص222-223) أنه كان يوجد في القاهرة ثلاث صيدليات: واحدة يديرها يوناني، والأخريان يديرهما جماعة من البنادقة، وكان معظم روادها من الأوروبيين والسوريين المسيحيين، ومع هذا كان يتردد عليها نفر من المصريين - مسلمين وأقباطا، أما في دمشق فقد كان الدكتور شابوكو

Chaboceau

هو الطبيب الأوروبي الوحيد بها.

4

يضاف إلى هذا أن كتابين أوروبيين في الطب قد ترجما إلى التركية والعربية في أواخر هذا القرن.

5 (4) الدراسات العلمية

وكانت العلوم الأخرى التي عرفها العرب باسم «العلوم الفلسفية» أو «علوم الأوائل» - مثل الفلسفة والرياضيات والفلك - قد أصابها ما أصاب الطب من ركود وجمود، وفي الأوصاف التي أوردها الرحالة الأوروبيون - من أمثال «سافاري» و«فولني» - في رحلاتهم صور واضحة لهذا التأخر والجمود العلمي، قال فولني يصف الحالة الصناعية والعلمية في مصر في القرن الثامن عشر: «الجهل عام في هذه البلاد مثل سائر الدولة التركية، وهو يشمل كل الطبقات، ويتجلى في كل النواحي الأدبية والطبيعية وفي الفنون الجميلة، حتى الصناعات اليدوية؛ فإنها في أبسط أحوالها، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح الساعة، وإذا وجد فهو إفرنجي، أما الصياغة فأصحابها فيها أكثر مما في أزمير وحلب، لكنهم جهلاء، وإنما يتقنون المنسوجات الحريرية، وإن كانت أقل إتقانا وأغلى ثمنا من تلك التي تصنع في أوروبا، أما العلم فوجود الأزهر فيها جعلها قبلة الطلاب في الشرق الإسلامي.»

وحتى هذا العلم، وحتى هذا الأزهر لم يكونا في القرن الثامن عشر في حالة طيبة مبشرة، بل شملتهما - كما ذكرنا من قبل - موجة من الركود والجمود، وقد وصف مؤرخ مصر في هذا القرن عبد الرحمن الجبرتي مدى ما وصلت إليه الحالة العلمية من تأخر وصفا يغني عن غيره من أقوال الرحالة الأوروبيين.

ذكر الجبرتي أن أحمد باشا الوالي التركي على مصر (1162-1163ه/1749-1750م) كان «من أرباب الفضائل، وله رغبة في العلوم الرياضية، ولما وصل إلى مصر واستقر بالقلعة، وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت، وهم: الشيخ عبد الله الشبراوي - شيخ الجامع الأزهر - والشيخ سالم النفراوي، والشيخ سليمان المنصوري، فتكلم معهم وناقشهم وباحثهم، ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا، وقالوا: «لا نعرف هذه العلوم»، فتعجب وسكت.»

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٣٢