1
وكان طلاب العلم في مصر والشام لا يزالون في هذا العصر العثماني حريصين على التقليد القديم الطيب، وهو الرحلة في طلب العلم والاستزادة من المعرفة، وفي التراجم التي يزدحم بها كتابا: المرادي والجبرتي أمثلة كثيرة للعلماء الذين كانوا يرحلون إلى مدن مصر المختلفة، وخاصة دمياط والإسكندرية وطنطا وطهطا وأسيوط، أو إلى دمشق وبيت المقدس، أو إلى المدينتين المقدستين مكة والمدينة؛ للأخذ عمن في هذه المدن من شيوخ، وكثيرون من الشوام كانوا يلتحقون بالأزهر؛ حيث يوجد رواق خاص لهم كان من أكثر الأروقة نشاطا، كما كان بعضهم يرحل إلى إستانبول؛ حيث يشتغلون بالتدريس في مدارسها. (2) نظم التعليم: مزاياها وعيوبها
وكانت الدراسة في هذه المعاهد قد تأخرت كثيرا عما كانت عليه في العصور السابقة؛ فهي لا تعنى إلا بالعلوم اللغوية؛ من نحو وصرف وبلاغة وعروض، وبالفقه وعلوم الشريعة، والمنطق ومبادئ الحساب.
وقد كان لنظام التعليم في هذه المعاهد مزايا كثيرة؛ يقول لين بول مثلا عند كلامه عن الأزهر: «إن نظام الجامعة الأزهرية نظام مثالي كامل؛ فإن أفقر شاب يتقدم إليها يرحب به في الحال، ويستطيع أن يتعلم كل ما يعرفه الأساتذة، ويمكنه أن يحصل أعلى تعليم يمكن أن يحصله مسلم، وبالطرق الإسلامية، وذلك دون أن يطالب بدفع قرش واحد.»
2
ومع هذا فقد كان للنظام عيوب كثيرة؛ منها أن وظائف التدريس كانت أحيانا تؤخذ بالوراثة لا بالجدارة، فيعين الابن مدرسا مكان أبيه، ولو لم يكن كفئا لتولي هذه الوظيفة.
ومنها أن بعض المدرسين كان يوكل إليه التدريس في أكثر من مدرسة، أو يتولى أكثر من وظيفة، وبذلك لا يكون لديه الوقت أو الجهد الكافي للقيام بالتدريس على الوجه الأكمل.
ومنها أيضا جمود الدراسات وتأخرها، بحيث أصبح المدرسون يرددون ما قاله السابقون، ويدرسون المتون والكتب القديمة دون أن يؤلفوا أو يكتبوا جديدا، فانعدم الابتكار، وأثر هذا بالتالي في الطلاب، فأصبحوا يعيدون ما يسمعون، ويعنون بالمسائل الشكلية التافهة، ويعتمدون على الاستذكار والحفظ عن ظهر قلب، دون الفهم أو الوعي السليم.
ونستطيع أن نتبين من تراجم شيوخ هذا العصر وعلمائه أن بعضهم كان غزير الإنتاج؛ فكم من عالم أنتج العشرات من الكتب والرسائل، ولكننا لا نستطيع أن نجد من بينها بحثا له قيمة أو كتابا يضيف إلى العلم جديدا، أو رسالة فيها شيء من الابتكار أو أصالة الفكر، وإنما كان أقصى ما يفعله الواحد منهم أن يكتب شرحا لمتن، أو يضيف حاشية على شرح، فنحن نستطيع أن نسمي هذا العصر بحق عصر الشروح والحواشي، ومن الممكن أن نقدر الحالة العلمية في العالم العربي على ضوء ما أنتجه العلماء ورجال الفكر في هذا العصر:
كان العالم العربي قد فقد استقلاله السياسي، وأصبح في عزلة تامة، وانقطعت الصلات بينه وبين غرب أروبا، وكان الناس يعيشون في ظلام العصور الوسطى، وزادت الحالة سوءا نتيجة لانتشار المتصوفة وانقلاب التصوف إلى نوع من الدروشة، فأصبح الناس يعتقدون في الخرافات والغيبيات، والسحر والشعوذة، وغدا كل مجذوب وليا من أولياء الله الصالحين، وكل أبله شيخا جليلا تلتمس بركاته ويرجى رضاؤه ودعواته، ونال كثير من الشيوخ مكانة مرموقة لدى العامة والمتعلمين، بل ولدى الخاصة والحكام؛ لتأليفهم رسائل في هذه الموضوعات، أو لاشتغالهم بقراءة الغيب، وعمل الأحجبة والتمائم والتعاويذ. (3) الدراسات الطبية
وأهم ما يعيب الحياة الثقافية في العالم العربي في هذا العصر العثماني أنها تأخرت كثيرا عما كانت عليه في القرون السابقة، ولعل خير دليل على هذا ما وصلت إليه حالة الطب مثلا من الناحيتين: النظرية والعملية.
ففي أوائل القرن السابع عشر كانت لا تزال هناك بقايا من العلوم الطبية التي عرفها المسلمون في عصورهم المزدهرة، وإن كانت قد تأثرت هذه البقايا كثيرا بالسحر والخرافات، ورغم هذا فقد ألفت في مصر وسوريا بعض الرسائل والكتب في الطب.